ويتجدد اللقاء مع المعين الصافي لإبداعات أدباء ومواهب أبناء أرض الكنانة ،ومع نخبة من الأدباء العرب ..وضيفنا في هذا السطور الكاتب الأديب الناقد د.صبري زمزم ،والذي كتب مقالا نقديا رصد من خلال رؤي انطباعية عن رواية “ناي تعزف ألما” للأديبة الروائية منال العبادي تنشره بوابة الجمهورية والمساء عبر هذه السطور..

🍂
“ناي تعزف ألما”.. بين آلام الأنثى وآثام الرجل
بقلم ✍️ صبري زمزم ( ناقد وأديب)
لا شك أن العنوان هو أول عتبات العمل الأدبى، لأنه أول ما تقع عليه عين القارئ، وأول ما يشغل باله، وأول ما يداعب وجدانه، وهو تشكيل أول صورة ذهنية عن العمل ولو مؤقتا حتى يفتح العمل ويقرأه، ليظل العنوان طافيا فوق أحداث الرواية فى محاولة لاختبار ذهن القارئ هل وجد رابطا بين العنوان والعمل، وهل الرابط كما تخيل وتصور قبل قراءة العمل، أم أن النص أتى بمعان جديدة وظلال مختلفة ذات صلة بالعنوان فإذا توقفنا أمام العنوان بالتحليل اللغوى والتحليل الدلالى، سنجد أن الناى من حيث هو نای مذکر لذا يتعجب القارئ من تأنيث الفعل تعزف، ثم يأتى الأعجب من أن العزف عادة يرتبط بحالة نفسية مبهجة مفرحة، بحد أقصى ترتبط بالشجن وهو وإن كان غير مفرح، فإنه غير مؤلم ولكن الصدمة فى أن الناى تعزف ألما، بما يمثله الألم من وجع مادى أو معنوى، لذا يتهيأ القارئ لسماع لحن ليس حزينا فقط، بل مؤلما موجعا، فيشمر عن ساعديه، ويبدأ القراءة لتأكد أن الناى في هذه الرواية لابد أن يكون مؤنثا لغويا من حيث كونه آلة..
وثانيا من حيث المراد بهذه الآلة التي تعزف لحنا مؤلما ممضا، ألا وهى الأنثى فالأنثى هي بطلة هذه الرواية، الأنثى بوجه عام وليس أنثي بعينها، فالأنثى هي كاتبة الرسائل المشفرة المؤرخة بتوقيت خاص بالرواية ابتكرته الروائية منال العبادي، فأول رسالة لم نعرف المرسلة ولا المرسل إليه، ولكن صدرت بتوقيت العاشرة وخمس مساء بتوقيت “حكايات منسية” والرسالة الثانية مرقمة بـ ٥٥٥٥ ومؤرخة بالحادية عشرة ليلا بتوقيت ذاكرة المقهى الأخير، والرسالة الثالثة برقم ٢٧٩٨ مؤرخة بيوم الرابع من نوفمبر المتلبد ثم وصفته ( يوم يعلق في حلق التقويم كعظمة من زمن ضائع يغمغم بأسماء لم تكتب بعد)..
وهكذا تبدأ كل الفصول برسالة شفرتها الرقمية الخوارزمية تثير الذهن وتوقيتها الغريب) تثيره أكثر، لتشعر أنك منذ ضربة البداية أمام رواية غير عادية غير تقليدية لها منطق خاص، ولها توقيت خاص وكل رسالة تستوقف القارئ ماذا يقرأ؟ هل يقرأ رواية أم قصة قصيرة؟ أم قصيدة شعر تحررت من قوافيها فانداحت ترقص على لحن خاص، بعيدا عن ألحان الخليل، فكل كلمة وكل جملة تحتاج إلى تأمل ثم تأويل ثم تفسير ثم احتمال أن تصيب الغاية أو تخطئها.
ولكن ما لا شك فيه أن القارئ أمام إبداع جميل أيا ما كان اسمه او رسمه أو جنسه الأدبى.
ثم تصادفك عناوين أولها “حكايات الحاويات” فتظنها قصة قصيرة، لتبدأ الحكاية فجأة وبدون تمهيد بجملة تبدأ بثم، (ثم ظهر كيس أسود) ليسرح ذهنك فیما قبل ثم فتحاول أن تستكشفه أو تستنتجه ، لتجد نفسك وجها لوجه أمام “أم صبحى” أول ناى أنثى تعزف ألما.
فلم تكن “أم صبحى” مجرد جامعة قمامة تبحث فى القمامة عن بقايا طعام يقتات بها أطفالها الجوعى، لكنها كانت محللة قمامة تقرأ من خلال المخلفات أحوال أصحابها وأسرارهم يوما بيوم، فكم كشفت مخلفات عن مخالفات وجرائم وفضائح، كانت تتلذذ بفك طلاسمها مع احتفاظها بها في طي الكتمان لأن لمهنتها ميثاق شرف لا تنتهكه،
ولا غرو أنها تحافظ على أسرار علية القوم خوفا وطمعا .
ثم تلتفت الرواية إلى سارة أهم بطلات الرواية وهي الناي التي تتجمع حولها نغمات العزف المؤلم لتكون هي بمثابة الخيط الذي تنتظم فيه حبات العقد الفريد فى وجعه وألمه.
وأسهبت الروائية في وصفها وصفا دقيقا ليس وصف ساردة بل وصف شاعرة، (لم تكن عيناها العسليتان مجرد عينين، بل كانتا نافذتين إلى مملكة قديمة حيث يخزن العسل دفء القرون الأولى، كانت رموشها الطويلة ترفرف كأجنحة فراشة عابرة … بشرتها الناعمة كخوخ پنضج تحت شمس تموز)
ولم يكن هذا إلا مثالا وعينة لوصفها شخصياتها ظاهريا، فضلا عن وصفها نفسيا واجتماعيا وعقليا، حتى القهوة التي تشربها دائما، فرسمت لنا صورة ثلاثية الأبعاد لكل شخصية فى الرواية. ومن سارة المريضة بالسرطان تنتقل إلى حبيبها أحمد الشاب العفى الوسيم صديق أخيها الذي أحبها، رغم مرضها وكان عونا لها وسندا فى مواجهة المرض اللعين، ولكن المفاجأة أن أحمد يموت فجأة إثر حادت سقوط بالحمام، لتتضاعف مأساة سارة التي لا تجد لها من اسمها نصيبا من المسرة، فلا هى شفيت من مرضها، ولا هى سعدت بحبيبها الذى تتوكأ عليه في محنتها المرضية المؤلمة ليظل الناى يعزف ألما .
وتغوص سارة فى ذكرياتها لتحكيها بلسان من مداد أسود يجتر ذكريات حبها الموءود، فتعود إلى ذكريات لا تقل سوادا ولا ألما، ذكريات تخص أنثى أخرى ولكنها ذات أهمية قصوى لها، إنها أمها التى هجرها زوجها وتزوج بأخرى معلقا في رقبتها مسئولية رعاية الأبناء والإنفاق عليهم وهي المقدمة التي لا حيلة لها إلا الشقاء من أجل توفير لقمة عيش أو ملابس تصطنعها من ملابس الجيران القديمة، فتعيد نسج خيوطها وتصنع منها ملابس لأبنائها، وبرغم خشونه يديها جراء الأشواك والحطب، إلا أنها كانت ذات قلب رفيق يهون على أولادها شظف العيش، وتستمر الطفلة سارة تعانى نقص الطعام والم رداءة الحذاء الذي يفضحه المطر، وتراوح الروائية منال العبادي بين صوت سارة وصوت السارد العليم، وأصوات أخرى، فتحكى بها ثم تحكى عنها، في تقنية تعدد الأصوات حتى إن القارئ يتساءل فى بعض الأحيان من الذى يحكى؟
وكعنقود من عنب بناتي تجمع منال العبادي مشكلات تعاني منها الأنثى في مجتمعاتنا العربية فتجمع الألمين الجسماني والمعنوي في عملية الختان ثم التحقق من الشرف ليلة الزفاف، وتنتقل إلى مشكلة “الجندر” في شخصية نور فتساندها في مأساتها حتى تعالج بالهرمونات لتثبت أنوثتها الضائعة، واختيارها لاسم نور موفق لأنه اسم للذكر والأنثي، وهو ما كانت تتراوح بينهما، وتلك الفتاة الصغيرة التي تتعلق برجل أشيب تحت وطأة غياب الأب، ولم تفتها مأساة العصر الرقمي حيث الرومانسية من وراء وجه افتراضي عبر مواقع التواصل الاجتماعي ثم يتلاشى الحب بتغيير الوجه الافتراضي أو غلق الحساب، ولم تنس مشكلة الزواج المبكر ولا سفر الزوج وترك زوجته مهملة لتصبح عرضة لأشياء لا طاقة لها بها، وتسقط سارة في دوامة الاكتئاب التي لم تستطع الخروج منها وهنا ظهرت ثقافة المجتمع وموقفه المشين من العلاج النفسي خوفا من الاتهام بالجنون.
ثم نفاجأ قرب النهاية بمن يمسك عنقود العنب البناتي بيده ليفرطه في وجهنا، والذي حركه كما شاء وحدد مصير بطلاته، إنه مراد الروائي الذي كتب كل هذه الحكايات ورسم شخصيات كل هذه البطلات ونسج تفاصيلها.
وقد اختارته منال العبادي رجلا لتثبت أن مشكلات المرأة لا تهم المرأة وحدها، بل يتعاطف الرجل معها رغم أنه المتهم الأول دائما، فأرادت أن تستميل الرجال إلى صف النسوة وقضاياهن بذكاء، لتنتقل بنا منال العبادي من شخصيات رواية إلى صانع هذه الشخصيات فتصور لنا سلوك مراد الروائي وسلوكه وتوتره وعلاقته ببطلاته، وكيف يتعامل مع شخصياته المكتوبة إذ صادف إحداها تمشي أمامه لتتحول من شخصية من حبر على ورق، إلى شخصية حية من لحم ودم وهي سارة.
وتغرق الرواية في الحداثة من حيث الفكرة والطرح والأسلوب فيظل القارئ يلهث ليحدد موقعه ويراجع موقفه من الأحداث، بعد المفاجأة التقنية التى فرضتها منال العبادي على قرائها، فضلا عن الإغراق في الجمل الشعرية التى زادت القارئ حيرة على حيرته، جراء جمل التفافية متشابكة كدوامة كلما اقتربت منها لا تعرف وجهتك، ولكنها الحيرة التي تجعله بمجرد الانتهاء من قراءة آخر سطر فيها، يبدأ في قراءتها من جديد، أولا لمعاودة الاستمتاع بالأسلوب، ثانيا ليراها بمنظور جديد مختلف، في محاولة لفض طلاسمها والربط بين أولها وآخرها وأخيرا تحليل الرسائل.
وإذا كانت هذه هي أولى روايات منال العبادي فإنها تدق لنا الأجراس وتقول انتبهوا لما هو آت وترقبوا مزيدا من الإدهاش في رواياتي القادمة، فالمقدمات تنبئ بالنتائج، وتبشر بمولد أديبة ننتظر منها المزيد من التألق الإبداعي والتأنق الأسلوبي، والابتكار التقني الذي يدهش القارئ.














