بقلم ✍️ منار علي محمد
(باحثة دكتوراه – كلية الإعلام جامعة القاهرة)
في عصرٍ أصبحت فيه المعلومة تنتقل في لحظات عبر ضغطة زر، وأصبح لمواقع التواصل الاجتماعي تأثيرٌ هائل في تشكيل وعي الأفراد، تحولت هذه المنصات في الوقت نفسه إلى بيئة خصبة لانتشار الشائعات. تلك الشائعات قد تبدأ بجملة غير دقيقة أو خبر ملفق، وسرعان ما تتحول إلى قضية رأي عام تُثير الجدل، وتسبب القلق، وربما تُلحق أضرارًا بالغة بالأفراد والمجتمعات.
اليوم، ومع الاعتماد المتزايد على مواقع مثل “فيسبوك” و”تويتر”، التي تسمح بالنشر والمشاركة بسرعة البرق، أصبح انتشار الشائعة أسهل بكثير، خاصة في ظل غياب التحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها. لم يعد التحدي هو ظهور الشائعة نفسها، بل في مدى سرعة انتشارها وتأثيرها على عقول الناس وسلوكهم.
وللشائعات أشكال وأهداف متعددة، يمكن تصنيفها كالتالي:
الشائعات السياسية: والتي تستهدف زعزعة استقرار وأمن الوطن، مثل نشر أخبار عن أحداث أمنية لم تحدث من الأساس، أو المبالغة في وقائع صغيرة لإثارة الفوضى وإحداث البلبلة.
الشائعات الصحية: والتي تضر بالصحة العامة، كالترويج لخطر استخدام دواء معين لم تؤكد وزارة الصحة ضرره. مثال علي ذلك، انتشرت شائعة عن خطورة تناول نوع من الخضروات بزعم أنه يسبب السرطان، ليتضح لاحقًا أنها غير صحيحة تمامًا، كما واجهنا شائعة لقاح فيرس كورونا الذي نشره البعض علي أنه يسبب الوفاة بعد أخذه.
الشائعات الاقتصادية: والتي تثير القلق بشأن الأسعار أو العملات، مثال علي ذلك إشاعات ارتفاع سعر الدولار أو الذهب بشكل مفاجئ، مما يدفع الناس إلى اتخاذ قرارات مالية خاطئة.
الشائعات الشخصية: والتي تمس سمعة الأفراد وأسرهم، وقد تهدم حياتهم بالكامل. مثال على ذلك، شخص فقد وظيفته بعد انتشار إشاعة كاذبة عنه، أو فتاة تعرضت للتنمر الإلكتروني بسبب خبر مختلق. هذه الشائعات قد تؤدي إلى الاكتئاب، القلق، العزلة، بل والانتحار أحيانًا.
لكن لماذا يصدق الناس الشائعات؟
هناك عدة دوافع:
الدافع النفسي: الميل إلى تصديق المعلومات المثيرة أو التي تؤكد مخاوفهم.
الدافع الاجتماعي: رؤية الكثيرين يشاركون نفس المعلومة يجعل البعض يظن أنها صحيحة.
الدافع العاطفي: الشائعات التي تلامس مشاعر الخوف أو الغضب تنتشر أسرع بكثير.
هذا يجعلنا نستوقف عند سؤال مهم: كيف نميز بين الشائعة والحقيقة؟.
ـ الرجوع دائما إلى المصادر الموثوقة والمعروفة.
ـ التحقق من أي معلومة غريبة أو مثيرة قبل نشرها.
ـ طرح أسئلة أساسية: من قال؟ أين الدليل؟
ـ هل الجهة الناشرة معروفة بالمصداقية والشفافية؟.
حيث أن المسؤولية تقع على عاتق الجميع. كل فرد يجب أن يكون خط الدفاع الأول، لا مجرد متلقٍ سلبي للمعلومة. عندما نصادف خبرًا مشكوكًا فيه، بدلًا من مشاركته، نسأل ونبحث ونفكر. علينا أن نغرس في أبنائنا وأفراد مجتمعنا مهارة التفكير والتدبر، وننشر الوعي الرقمي كمهارة حياتية أساسية.
كما أن للمؤسسات الإعلامية دورًا محوريًا في مكافحة الشائعات عبر نشر المعلومات الصحيحة والرد السريع على الأكاذيب. ولا يقل أهمية دور المؤسسات التعليمية والدينية في نشر التوعية، إضافة إلى ضرورة التعاون بين مختلف الجهات لتصحيح الأخبار الخاطئة.
في النهاية، الشائعة قد تبدأ بكلمة، لكنها قادرة على هز كيان مجتمع كامل، لذا علينا أن نكون جميعا حائط الصد الأول في مواجهتها.














