بقلم ✍️ د.خلود محمود
(مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية)
في عصر الطوفان المعلوماتي والتحولات الرقمية المتسارعة، تبرز السياسات الإعلامية كحجر زاوية في تشكيل الوعي العام وصياغة الأجندة الوطنية وحماية الأمن المجتمعي بشكل عام ، وفي مصر، بصفتها قلب العالم العربي وقائدة إقليمية ذات ثقل تاريخي وسياسي تتعقد هذه المهمة لتلامس تحدياتٍ فريدةً تتراوح بين مواكبة الثورة التكنولوجية ومواجهة حروب الشائعات، وبناء خطاب إعلامي معاصر يعكس طموحات التنمية ويحافظ على الهوية المصرية وهذا هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإعلام إلا أن الفجوة بين الواقع الإعلامي الراهن والمتطلبات المستقبلية تفرض إعادة النظر الجذرية في آليات عمل السياسة الإعلامية لتتحول من مجرد أطر تنظیمية تقليدية إلى منظومة ديناميكية قادرة على التكيف والابتكار، وضمان توازن دقيق بين حرية التعبير المسؤولة، وسيادة القانون، وحماية المصالح العليا للدولة.
إن تطوير هذه الآليات ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز مكانة مصر الإقليمية وبناء مجتمع معرفي منافس وفي هذا الأطار ولأن الإعلام ركيزة مهمه من ركائز الأمن المجتمعي بل والقومي لمصر وجه الرئيس السيسي بضرورة تطوير عمل وآليات السياسة الإعلامية بمصر لتواكب الثورة الرقمية وتحديات إعلام المواطن خاصة فيما تشهده البيئة الإعلامية المصرية من تحولات جذرية في العقدين الأخيرين تمثلت في انفجار عدد القنوات الفضائية والإذاعية وطغيان منصات التواصل الاجتماعي، وتشعب مصادر المعلومة وأمام هذا المشهد المتشابك، تتعرض السياسات الإعلامية القائمة لاختبارات حادة في فاعليتها وقدرتها على تنظيم الفضاء الإعلامي المتنامي بآليات، لم تعد كافيه فالاكتفاء بالتشريعات التقليدية أو النظرة الأحادية..
إن تعقيدات العصر الرقمي وتنوع الفاعلين الإعلاميين (حكومي، خاص، مستقل، أجنبي) تفرض تطوير آليات عمل أكثر مرونة وشفافية وتشاركية مما يتطلب تطوير وإعادة هندسة لعمليات صنع القرار الإعلامي، واعتماد معايير مهنية رصينة، وبناء نظم رقابية ذكية تراعي السيولة المعلوماتية، وتعزيز الحوكمة لضمان استقلالية المؤسسات مع التزامها بالمسؤولية المجتمعية إن نجاح مصر في صياغة آليات إعلامية حديثة وفعالة هو رهانٌ حاسمٌ على تمكين إعلامها من لعب دوره التنويري والتنموي والدفاعي في ظل تحديّات لا تقل خطورة عن تحديات الحروب الحقيقية .
وعليه فأن الاصلاح للتعليم الإعلامي هو بداية النظرة التكاملية فدمج الإعلام مع علوم البيانات والذكاء الاصطناعي ، لتحقيق تطور النظام الإعلامي المصري في ظل التحولات الرقمية وتغيرات الجمهور قد أصبح فرضاً ضرورياً للتنمية الإعلامية ، بجانب أن القطاع يحتاج إلى إصلاحات متكاملة تشمل الجانب الأكاديمي والمهني معناً لنبدأ أولاً بتطوير التعليم الإعلامي الأكاديمي من خلال مقترحات تبدء بـ :
1. تحديث المناهج الدراسية: العمل علي دمج تخصصات حديثة مثل تحليل البيانات الإعلامية، الذكاء الاصطناعي في الصحافة، وأخلاقيات الإعلام الرقمي و التركيز على مهارات التحقق من المحتوى (Fact-Checking) ومكافحة التضليل الإخباري.
2. التدريب العملي المتقدم: وأعني شراكات مع منصات رقمية (مثل “غوغل نيوز لاب”) لتدريب الطلاب على أدوات الرقمنة ، وأيضاً ورش عمل مع إعلاميين دوليين لدراسة نماذج ناجحة .
3. دراسات تخصصية جديدة : مثل برامج ماجستير في “إدارة المحتوى الرقمي”، و”تحليل سلوك الجمهور، أضافة إلي أبحاث علمية ترصد تأثير إعلام المواطن على الرأي العام المصري.
أما عن تحديث المجال المهني فهناك مجموعة من المقترحات تبدء ب
1. تطوير المهارات الرقمية: العمل علي تدريب العاملين على صناعة المحتوى التفاعلي (إنفوجرافيك، بودكاست)، واستخدام أدوات التحليل الرقمي (مثل Google Analytics) و تأهيل فرق متخصصة في إدارة الأزمات الإلكترونية والتعامل مع الأزمات بسرعة وفورية وقت وقوعها أضافة إلي مهارات التعامل مع الجمهور الرقمي .
2. آليات التعامل مع إعلام المواطن الذي أصبح جزء لا يتجزأ من الاعلام سواء اتفقنا أو أختلفنا علي ذلك فهو أصبح حقيقة إعلامية قائمة بالفعل ، وإنشاء وحدات رصد داخل المؤسسات الإعلامية لتنقية محتوى المواطنين والاستفادة منه ، مع وضع معايير واضحة لنشر محتوى المستخدمين (UGC) تضمن المصداقية وتجنب الشائعات.
3. تحويل التحديات إلى فرص واستثمار ظاهرة “المؤثرين الرقميين” عبر شراكات تستهدف الشباب وإطلاق منصات إخبارية مختصة بالتحقق من الأخبار .
ثالثاً: مواكبة طبيعة الجمهور المتغيرة
1. بحوث الجمهور الرقمي: إنشاء مراكز دراسات تُجري تحليلات دورية لسلوك المستخدم المصري (مثل تفضيل الفيديو القصير على “تيك توك”) والعمل علي تصميم محتوى مرن يتكيف مع اختلافات الجمهور العُمري والجغرافي.
2. توطين المحتوى بمعني إنتاج مواد بلغة الشباب المصري (اللهجة المحلية) مع الحفاظ على المهنية واستحداث أدوار وظيفية جديدة مثل: “منتج محتوى مجتمعي” و”مدير التفاعل الرقمي”.
رابعاً: إدارة تأثير “إعلام المواطن”التكامل مع المؤسسات وتحويل الهواة إلى شركاء عبر تدريبهم على المعايير المهنية ، وأنشاء منصات موثوقة وإنشاء قنوات رسمية تجمع محتوى المواطنين ، أضافة إلي عمل حملات توعوية لتثقيف الجمهور حول كيفية نشر محتوى مسؤول.
خامساً: البنية التحتية والتشريعات فالعمل علي تطوير استوديوهات رقمية في الجامعات ومعاهد التدريب تخرج إعلامين مواكبين ومدركين لتحديات العصر الرقمي الحالي ، بالأضافة إلي ضرورة تحديث القوانين لحماية الصحفيين الرقميين وتنظيم عمل منصات التواصل.
أن النظام الإعلامي المصري يحتاج إلى مثلث التحديث لينهض ويواكب العصر الحالي وقد كان لنا في قناة القاهرة الأخبارية خير مثال لذلك ولكننا نحتاج إلي :
1. مناهج أكاديمية تركز على التقنية + الأخلاقيات.
2. كوادر بشرية تُجيد التعامل مع الجمهور المتغير.
3. بنية تحتية داعمة للتحول من “الإعلام التقليدي” إلى “الإعلام التشاركي”.
أن الإعلام الجديد لا يحتاج فقط إلى أدوات جديدة، بل إلى عقلية جديدة تقبل التطور كجزء من هويته.
في النهاية لا يمكن إنكار أن رحلة تطوير آليات السياسة الإعلامية في مصر ما تزال تواجه تحدياتٍ معقدة، لكن المشهد الإعلامي الحالي يُبرز أيضاً نجاحاتٍ واعدةً تُشكّل أساساً للتقدم ففي خضم التحولات العالمية، برز الإعلام المصري الحكومي والخاص بأدوار حيوية، لاسيما قناة القاهرة الإخبارية التي تمثل نموذجاً لـ الإعلام المؤسسي الحديث الذي يجمع بين المصداقية والرؤية الاستراتيجية ، تمكنت القناة – منذ انطلاقتها – من تقديم نموذجٍ مهنيٍّ متميز وتغطية شاملة متوازنة للأحداث المحلية والدولية بعيداً عن الإثارة وتعزيز الحضور المصري إفريقياً وعربياً عبر تبني قضايا الجنوب العالمي ، بالأضافة إلي الريادة في صناعة المحتوى الوثائقي الذي يروي حكاية مصر الحضارية بجودة تقنية عالية ، بخلاف مواجهة الشائعات من خلال فريق مراجعة مهني سريع الاستجابة، مع الحفاظ على خطاب مهني يحترم عقل المشاهد ، تنامي الوعي بأهمية الإعلام العامّ الخادم للمصلحة الوطنية.
إن تعزيز هذه النماذج الناجحة، ودمجها في استراتيجية شاملة لتطوير السياسة الإعلامية قائمة على المراجعة المستمرة، والحوكمة الرشيدة، والاستثمار في الكوادر هو الضمانة لتحقيق إعلام مصري منافس عالمياً، منتمٍ محلياً، وصانعٌ لوعيٍ واعٍ أن مستقبل مصر الإعلامي يبدأ اليوم بتحويل الآليات من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن التنظير إلى التطبيق الممنهج.














