بقلم ✍️ د.سحر سالم (مدير عام إذاعة القناة)
الفن كان وسيظل مرآة الروح وضمير الأمة، لم يكن يوما هابطا، ولم يُخلق إلا ليرتقي بالإنسان ويهذب وجدانه ،لكن ما نشهده اليوم من أصوات صاخبة تحت مسمى “مهرجانات” أو “أغاني جديدة” هو أبعد ما يكون عن الفن..
إنه تشويه متعمد للذوق، عبث يطل علينا في كلمات مبتذلة، ألحان مسطحة، وأداء لا يعرف من الإحساس سوى الضجيج.
المصيبة ليست في هذا وحده، بل في شبابنا الذين باتوا يقلدون هذا “اللا فن” تقليدا أعمى: ملابس بلا معنى، أسلوب بلا قيمة، وكلمات تجرّ العقول إلى هاوية من السطحية والابتذال.
أخطر ما في الأمر أن أجيالًا كاملة تنشأ اليوم على هذا الضجيج، فلا تعرف من الأصالة إلا اسمها.
أي فاجعة أكبر من أن تسأل فتاة عن أغنية تحبها لأم كلثوم فترد: “مين أم كلثوم؟!”..
هنا تتوقف الكلمات، ويُصاب القلب بالذهول والخذلان.
أين أيام الفن الحقيقي؟ أين أصوات العمالقة الذين رفعوا راية الطرب الأصيل؟ أين سحر أم كلثوم في “الأطلال” و”إنت عمري”، وعذوبة عبد الحليم حافظ في “أهواك” و”جانا الهوى”، ورقة نجاة الصغيرة في “ساعة ما بشوفك جنبي”، وحنين وردة الجزائرية في “بتونس بيك”؟ هؤلاء النجوم كانوا مدارس قائمة بذاتها، غنّوا للحب، للوطن، للإنسان، فخلّدهم التاريخ وصاروا جزءا من وجدان الأمة.
أما اليوم، فقد سمحنا نحن بظهور أصوات تصرخ ولا تغني، تتاجر ولا تبدع، تملأ المسارح بالضوضاء وتفرغ العقول من المعنى. نحن من أعطيناهم الفرصة، ونحن من سمحنا بأن يتحول الذوق إلى سلعة رخيصة.
ولذلك نقول بوضوح: لابد من وقفة. فرض الرقابة ليس قيدًا على الحرية كما يظن البعض، بل حماية لوعي المجتمع وصون لذوقه. الحرية مسؤولية، والمسؤولية تقتضي أن نضع حدًا للابتذال. حتى أعظم الديمقراطيات في العالم لا تسمح لمثل هذه المهازل أن تحتل مكانة في فنونها، لأنها تدرك أن الفن قيمة، لا أداة لهدم الذوق العام.
فلنقف إذن… ولنعلنها: كفى!
كفى عبثًا بالوعي، كفى تشويهًا للفن، كفى إهدارًا لأجيال بأكملها. نحن بحاجة إلى شباب ناضج، عقل واعٍ، فكر مستنير يقود بلادنا إلى الأمام لا إلى الخلف.
الفن الأصيل رسالة، والفن الراقي حياة… ولن نسمح أن يُختزل في ضوضاء عابرة أو كلمات جوفاء.














