في كل دورة من دورات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، كان البوستر لحظة إعلان وبداية. لكنه هذا العام يتجاوز فكرة الإعلان إلى أن يصبح نصا بصريا قائما بذاته. قصيدة مفتوحة تتغذى من الميثولوجيا، وتُكتب بلغة الضوء والظل وتُؤدى في فضاء من الحركة المعلقة والإيقاع الصامت. تصميم الفنان مصطفى عوض. مخرجا يقيم مسرحا مصغرا داخل مساحة البوستر، مسرحا يُشرك العين في لعبة تأويل لا تنتهي.
الجسد الهجين: هوية في حالة عبور
يتوسط البوستر جسد مائل ربما يستدعي رأس تحوت الحكيم أو يشير إلى حورس القائد، جسد لا يُحصر في ذكر أو أنثى، بل يتشكل في منطقة وسطى مفتوحة على إمكانات التأويل. يتحول إلى علامة سيميولوجية عن المسرح ذاته كائن هجين لا يعرف التجانس، قائم على التوتر بين المضادات.
هذه الثنائية تظهر كتعارض أم كتماهٍ!
الجسد يتنفس بوجهين، بحضورين، بطاقة مزدوجة تضع المتلقي أمام أسئلة الهوية أهو جسد إنساني أم إلهي؟ ذكر أم أنثى؟ حاضر أم ظل؟ في هذه المنطقة الرمادية تكمن قوة البوستر، إذ يغدو مرآة للمسرح التجريبي الذي ينشأ من خرق الحدود.
موسيقى الغياب ونداء الطقس
ترتفع الأيدي في حركة لافتة، ثلاثة أصابع ممدودة نحو الفضاء. هذه الإيماءة لا تُقرأ كإشارة تفسيرية، بل كنداء رمزي متعدد الطبقات.
* إيماءة مسرحية فاليد هنا فعل مسرحي مكتمل، حركة طقسية تشبه تلك التي كان يمارسها الكهنة في لحظة استدعاء الطقس، أو الممثل في لحظة إعلان بداية العرض. الإيماءة ليست مجرد تفصيل زخرفي، ربما إعلان دخول إلى فضاء آخر.
* الرقم ثلاثة يحمل في المخيال الإنساني كثافة رمزية عميقة.. هو ثالوث الزمن: الماضي، الحاضر، المستقبل. وهو ثالوث المسرح: النص، الممثل، المتفرج. وهو كذلك ثالوث الكيان الإنساني: الجسد، الروح، العقل. وفى المسيحية هو الثالوث المقدس وعلامة على التوازن والتمام في الإسلام بهذا المعنى، اليد تستدعي اكتمال الدائرة الرمزية، لكنها تفعل ذلك عبر علامة مفتوحة.
* اليد كآلة موسيقية حين يمسك الجسد بالآلة، تتحول الأصابع نفسها إلى عزف صامت، كأنها نغمة معلقة بين صوتين. الإيماءة تنفتح على بعدها الموسيقي، ويغدو الجسد أداة إيقاعية بحد ذاته.
* فجوة المعنى ثلاثة أصابع ترتفع وتتوقف عند منتصف الطريق. لا تكمل حركتها، ولا تنغلق في قبضة. التوقف يفتح فراغا، مساحة يتركها البوستر لتأويل المتلقي، فيصبح فعل القراءة مشاركة صامتة مع الصورة.
فلسفة الغياب والحضور
عند القدمين ظل دائري، كعلامة وجودية كل حضور يكتب غيابه في اللحظة نفسها. الدائرة رمز الامتلاء والديمومة، لكنها تظهر هنا كظل هش. من هذه المفارقة يولد البعد الفلسفي للبوستر، بين اكتمال الكون وهشاشة الأثر.
الجزء الأسفل من البوستر يفتح فضاء آخر صفوف مقاعد تنتظر من يجلس. هذه المقاعد الفارغة لا تُقرأ كعنصر ديكوري، بل كعلامة على “المتفرج الغائب”.
هي فراغ مشحون بالاحتمال!! الجمهور لم يأتِ بعد، وربما لن يأتي. ومع ذلك، يظل وجود الكراسي اعترافا بضرورته، وكأن المسرح لا يكتمل إلا بانتظار عيون تشاركه الحياة. إذ تتحول المقاعد إلى مرآة للقارئ/المتلقي أمام البوستر؛ وكأن الصورة تسأله: هل ستملأ هذا الفراغ؟
جسد على حافة الزمن و موسيقى الحروف البصرية.
الجسد يستند على ساق واحدة، في وضعية رقص متجمدة، الحركة متوقفة!! لكنها مشبعة بإيقاعها فهي لحظة معلقة بين الطيران والسقوط! هذه اللحظة هي جوهر الزمن المسرحي. زمن مشدود بين ما كان وما سيأتي، زمن يتجسد في الحاضر وحده ولا يتكرر. تغمر الخلفية حمرة مشبعة تتخللها حروف غامضة، قد ترى لاتينية أو مصرية قديمة. لا تتشكل كنص صريح فهي طاقة بصرية وإيقاع صامت يتدفق خلف الجسد. يحول الكتابة إلى موسيقى، والكلمة إلى نغمة خفية. هنا يعاد رسم العلاقة بين الصورة والنص، في تبادل خفي بين الحرف والإيقاع بين الضوء واللون.
لغة اللون والضوء.
الأحمر يفيض على المشهد كله كفضاء احتفالي. إنه لون الطقس، لون الدم المتجدد والحياة المتدفقة، وفي الوقت ذاته لون التوتر والعنف الكامن. يمنح الأحمر قداسة غامضة،بؤرة ضوئية تضع الجسد في حالة احتفالية، لكنه يظل محاطا بارتعاش داخلي. الضوء يشكل الجسد كأنه يخرجه من عمق مظلم، ليمنحه حضوره المسرحي. لا ضوء دون ظل، في استدعاء دائم لفلسفة المسرح؛ الحضور مشروط بالغياب!
بنية البوستر ككل تعمل كخطاب بصري معقد، يُعيد صياغة فكرة البوستر المسرحي. لم يعد الملصق مجرد واجهة إعلانية، بل صار نصا موازيا للعروض، نصا يؤسس لفلسفة المهرجان “التجريب”.
بهذا التصميم، يضع الفنان مصطفى عوض بصمته بوصفه مبدعا يكتب بيانا بصريا عن جوهر المسرح. تصميمه يفتح أمام المهرجان فضاء جماليا جديدا، حيث يتحول إلى جزء من التجربة المسرحية، لا مجرد غلاف خارجي لها.
ومن هنا يجيء التقدير للجنة العليا للمهرجان، برئاسة الأستاذ الدكتور سامح مهران، متمنيا دورة تُعيد تعريف التجريب المسرحي عالميا بروح مصرية معاصرة. دورة تؤكد أن القاهرة منتجة للمسرح التجريبي وقادرة على صياغة لغتها البصرية والفكرية في قلب هذا الفن العابر للحدود.
هكذا يعلن البوستر عن مهرجان يتحول إلى بيان جمالي عالمي، يُعيد للتجريب المسرحي قوته الأولى أن يكون بحثا دائما عن لغة جديدة، وأن يُكتب بالضوء كما يُكتب بالكلمة، وأن يظل مفتوحا على احتمالات لا تنتهي.














