تتأرجح نواة المجتمع المصري، الأسرة، اليوم على حافة مفترق طرق حاد. فبينما يشيخ جيلٌ مؤمنٌ بقدسية “البيت الذي لا يُهَدّ” وإن تداعت أركانه، يولد جيلٌ آخر يرفض هذا الإرث الثقيل، ويقرأ في نهايات درامية حتمية لنماذج زواج لم تقم على أساسٍ من الندية والتفاهم، بل على فرضٍ اجتماعيٍ وواقعٍ مؤلمٍ من الرضوخ.
وفي خضم هذه الفجوة الجيلية، تبرز قصصٌ فرديةٌ صادمة، لا سيما تلك التي تصدرت عناوين الصحف وساحات السوشيال ميديا، لتكون مرآةً عاكسةً لأزمة مجتمعية أعمق؛ قصة كقصة “شيرين وحسام”، التي تجاوزت كونها حكايةً شخصيةً لتصبح ظاهرةً تستدعي التأمل.
لقد قامت فلسفة الزواج في تراثنا الشعبي على ركيزتين أساسيتين: الاستقرار وبناء الأسرة. وفي ظل منظومة اجتماعية كانت تضع المرأة في موقف لا يحسد عليه، كان البيت هو الملجأ الوحيد والملاذ الآمن. هذا الواقع رسّخ قناعةً لدى الأجيال السابقة بأن استمرارية الزواج، بغض النظر عن محتواه أو جودته، هي الهدف الأسمى. وفي سبيل الحفاظ على جدران هذا البيت، أُمرت النساء بالرضوخ لكل ما يعجبهن أو لا يعجبهن، بحجة أن “الطلاق عيب”، وأن “البيت مأوى والزوج ساتر”. وكأن هذه الجدران المصمتة من الخارج كانت تستوعب بداخلها آلاف القصص من التضحيات الصامتة والآلام المكبوتة. كانت هذه البيوت، وإن بدت حصينةً من الخارج، مهشّمةً من الداخل، بلا روحٍ أو دفءٍ حقيقي.
لكن المفارقة العظمى تكمن في أن هذه البيوت المهشمة داخليا أخرجت أجيالا من الشباب والفتيات الرافضين لهذه النماذج تمامًا. فقد شهدوا بأعينهم كيف أن الاستقرار الظاهري كان ثمنه باهظًا من الكرامة والسعادة. هذا الرفض تحول مع الوقت إلى تطرف مضاد، دفع كثيرين إلى هدم بيوتهم الحديثة سريعا عند أول عثرة، دون محاولة حقيقية للإصلاح أو التفاهم.
لقد أدى الإفراط في التمسك بالقيم القديمة إلى رد فعل عنيف من الأجيال الجديدة، وكأنهم يعاقبون آباءهم على صمتهم الماضي.
وفي وسط هذا الجدل المجتمعي، يأتي نموذج المطربة “شيرين”، كأنها تجسيدٌ حيٌ للصراع بين نموذجين متناقضين. فهي ليست أسيرةً لواقعٍ اجتماعيٍ يفرض عليها الرضوخ، إنما هي سيدةٌ مشهورة، مقتدرة ماليا، قادرةٌ على اتخاذ قرارات مصيرية ومؤهلةٌ للمضي قدمًا. لكنها، في كل مرة تختار فيها إنهاء تجربة مهلكة، تعود لتفضل نموذج “البيت المهشم”، وكأن جذور التراث الشعبي أقوى من كل شهرة أو قدرة على التمرد. إنها حالةٌ نفسيةٌ معقدة، تجمع بين القدرة على التحرر والرغبة اللاواعية في الانتماء إلى إرث اجتماعي يؤمن بالاستمرارية حتى على حساب النفس. هذه الظاهرة ليست حكراً على “شيرين”، بل نراها في مئات الحالات حولنا، حيث يعاني الأفراد من صراعٍ داخليٍ بين “ما يجب أن يكون” و”ما هو كائن”.
إن هذه الظواهر الاجتماعية، التي تتكرر وتستفحل، لم تعد ترفًا يمكن تجاهله.
لقد أصبحت تستدعي دراسات نفسية واجتماعية عاجلة، وتتطلب تدخلاً فعالاً من مؤسسات الدولة المعنية. لقد حان الوقت أن يتم توجيه جهود التوعية نحو فهم جديد للأسرة، يوازن بين قدسيتها كقيمة والاستقلالية الفردية كحق.
كما أن مسؤولية الإعلام والسوشيال ميديا باتت أكبر من أي وقت مضى، لوقف مهازل التضليل والتحريض، والتركيز على تقديم نماذج إيجابية وصحية للعلاقات. فالحفاظ على نسيج المجتمع المصري، الذي قامت عليه الأسرة منذ عهد الإنسان المصري القديم، أصبح أمرا عاجلاً وملحا.
تتجاوز مسؤولية الدولة مجرد إصدار القوانين لتصل إلى بناء وعي جمعي جديد. يتطلب ذلك إطلاق حملات توعية وطنية مستدامة، بقيادة جهات مثل المجلس القومي للمرأة، تركز على مفهوم الزواج باعتباره شراكة متكافئة لا سيادة طرف على آخر. يجب أيضاً أن تُفتح أبواب المراكز النفسية والاجتماعية لتقديم الدعم الفوري للمتأزمين، وأن تُيسّر إجراءات الطلاق للحد من معاناة الأفراد في علاقات فاشلة، مع توفير الحماية القانونية والنفسية لهم، علاوة على ذلك، يعد تمكين المرأة اقتصادياً ضرورة قصوى لمنحها القدرة على الاختيار واتخاذ القرار، لتتحرر من أي قيود مادية قد تدفعها للرضوخ في علاقة مهينة.
للإعلام دور حاسم في تشكيل الوعي العام، ولكن غالبا ما يتم استغلال قصص مثل قصة “شيرين” لزيادة التفاعل على حساب أخلاقيات المهنة. فيجب أن يلتزم الإعلام بوقف تضخيم الدراما الإنسانية وتحويلها إلى مادة ترفيهية، وأن يتبنى منهجا مسؤولًا يقدم فيه المتخصصون (مثل علماء الاجتماع والأطباء النفسيين) نصائح عملية وحلولا واقعية.
وعلى منصات السوشيال ميديا، أصبح ضرورياً أن يتم فرض رقابة ذاتية ومجتمعية، حيث يتوقف الجمهور عن متابعة المحتوى الذي يمجّد العنف العاطفي أو يروّج لنموذج العلاقة السامة. بدلًا من ذلك، يمكن أن تكون هذه المنصات منبرًا لتقديم نماذج زواج صحية، وتسليط الضوء على قصص نجاحٍ بنيت على التفاهم والاحترام المتبادل.
لا يمكن حل هذه الأزمة دون العودة إلى الأساس، وهو التربية. يجب أن تبدأ التوعية الأسرية من المدارس والمراكز الثقافية، حيث تُدرج مناهج تعليمية عن الذكاء العاطفي، ومهارات التواصل، وفن حل النزاعات.
كما أن دور المؤسسات الدينية لا يقل أهمية، حيث يجب عليها أن تقدم خطابا دينيا مستنيرا يوازن بين تعاليم الدين ومقتضيات العصر، ويؤكد على أن الرحمة والمودة هما جوهر العلاقة الزوجية، لا التسلط والرضوخ. فبناء جيل واعٍ بقيم الاحترام والتسامح هو الضمان الوحيد لمستقبل أسرى أكثر استقرارا وصحةً، بعيدا عن تناقضات الماضي وآلامه.














