الإنسانية ليست لفظًا نُزيِّن به مجالسنا، ولا عنوانًا نخطّه في صفحات الكتب، بل هي نغمة خفية تنبعث من أوتار الروح، فإذا مست القلب أزهرت فيه بساتين الرحمة. هي البلسم الذي يُسكب على جراح الدنيا، والنور الذي يُبدِّد ظلام القسوة، فإذا نطقت الإنسانية صمتت الأصوات إجلالًا، وارتجفت القلوب كما ترتجف الأزهار إذا داعبتها نسمة رقيقة بعد صيفٍ قائظ.
الإنسانية أن تنحني على المريض كما تنحني الغيمة على الأرض العطشى، فتُسقيه من حنانك ما يعينه على وجعه. وأن تُقبل على الفقير كالنهر يفيض على الضفاف اليابسة، فتُحيي في عينيه رجاءً قد كاد يموت. المال –يا صاحبي– ليس لك ولا لي، إنما هو ظلّ زائل، يُودعه الله في يدك ليرى: أتجعله بردًا وسلامًا على القلوب، أم نارًا تحرق بها روحك بالأنانية؟ فكل درهم تُعطيه لفقير هو في الحقيقة عطيّة لله، تعود إليك أضعافًا في دنياك أو آخرتك.
الإنسانية أن تسمع أنين الضعفاء فتراه مرآة لمصيرك أنت، وأن تُدرك أنّ الأيام دوّارة: قد تكون اليوم مُعطيًا وغدًا سائلًا، وقد تكون الآن قويًّا وغدًا مُتكئًا على عصا. فما أجمل أن تصنع غدك برحمة اليوم، وأن تبني حولك جدارًا من دعوات الفقراء يقيك حين تنهار أسوار الدنيا.
ليست الإنسانية خطبًا ولا شعارات، بل دمعة تُمسَح، وجوع يُشبَع، ويد مرتجفة تُشدّ إلى صدرٍ رحيم. هي في تلك اللحظة التي تُضحّي فيها براحتك لتسعد غيرك، وفي تلك البسمة التي تهبها لوجهٍ شاحب فتُعيد له الحياة. كم من كلمة صغيرة كانت كالماء الذي أحيى زهرة ذابلة! وكم من يدٍ حانية بدّلت مجرى القدر في قلبٍ يائس!
وما أقسى القلوب التي حجبتها الأنانية! كالصخر اليابس، لا يلين لمطر ولا تُخرجه الشمس من صمته. وما أبهى القلوب الرحيمة! كالبحر، تتسع للجميع، تغمر من يقترب منها، وتخفي في أعماقها لآلئ العطف.
لقد علّمتني الحياة أنّ العمر ظلّ عابر، لا يبقى منه سوى ما زرعناه في قلوب الآخرين. قد تُمحى أسماؤنا من السجلات، وتُنسى وجوهنا بين الصور، لكن لمسة الحنان تبقى خالدة، وصدى الكلمة الطيبة يظل يتردّد في وجدان من تلقّاها كأنها نشيد أبدي.
الإنسانية هي دين القلوب جميعًا، لا يفرّق فيها نسب ولا مذهب، لأن الرحمة لغة يفهمها اليتيم كما يفهمها الغني، ويفهمها الغريب كما يفهمها القريب. ولو نزعناها من قلوبنا، لبقينا أجسادًا تتحرّك بلا روح.
فليتنا ندرك أن الإنسانية هي أسمى ما يُخلِّف الإنسان وراءه. هي جواز سفره إلى الخلود، وهي الذكر الطيب الذي يظل يرفرف بعد أن يوارينا التراب. ومن رحم اليوم، وواسَى اليوم، وأحسن اليوم، فقد كتب لنفسه حياة لا تُطوى بكتاب الموتى.
وحين تتكلم الإنسانية، يصمت القلب إجلالًا، لأنّه يسمع في همسها صوت الله، ويرى في صورتها مرآة السماء، ويشعر في لمستها بنورٍ أبقى من العمر، وأرحم من الدهر، وأطهر من كل ما خطّته الأقلام.














