بقلم ✍️ د.سحر سالم
(مدير عام إذاعة القناة)
يشهد الاقتصاد العالمي في الآونة الأخيرة حالة من التذبذب غير المسبوق، فرضتها تحولات سياسية متسارعة وأزمات اقتصادية متلاحقة. فمن الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية، إلى التغيرات المناخية والتكنولوجيا الرقمية، تتشابك الملفات لتضع الحكومات أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على استقرارها الداخلي وسط عاصفة من التحديات الخارجية؟.
في هذا السياق، تبرز مصر كنموذج يسعى إلى التوازن بين ضرورات الإصلاح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية، فقد أولت الدولة اهتماما خاصا بمشروعات البنية التحتية الكبرى، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وتنويع مصادر الطاقة ،إلا أن التحدي الأكبر يبقى في تحقيق معدلات نمو قادرة على استيعاب الطموحات الشبابية وتوفير فرص عمل مستدامة، بما ينعكس على زيادة القوة الشرائية للمواطن وتحسين جودة الحياة.
من زاوية أخرى، يتقاطع الاقتصاد مع السياسة في أكثر من نقطة، فثقة المستثمرين لا تُبنى على المؤشرات المالية وحدها، بل تحتاج إلى بيئة مستقرة، وإدارة شفافة، وسياسات واضحة قادرة على طمأنة الداخل والخارج. وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية كأداة فاعلة لتعزيز الشراكات الدولية، وجذب الاستثمارات، وتأمين الأسواق للصادرات المصرية.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال التحديات المرتبطة بتقلب أسعار الطاقة، وتباطؤ حركة التجارة العالمية، وضغوط المديونية الدولية التي تُثقل كاهل العديد من الاقتصادات الناشئة.
إن مواجهة هذه التحديات تستلزم نهجا أكثر جرأة في إصلاح منظومة الإنتاج، وتشجيع الاقتصاد المعرفي، والاستثمار في التعليم والابتكار بوصفهما الضمانة الحقيقية لبناء اقتصاد resilient قادر على الصمود أمام المتغيرات.
خلاصة القول، إن المشهد الاقتصادي الراهن يُشبه رقعة “شطرنج” تتطلب من صانع القرار أن يتحرك بخطوات محسوبة، وأن يوازن بين حسابات الداخل ومتطلبات الخارج، فالمستقبل لا يحتمل سياسة رد الفعل، بل يحتاج إلى رؤية استباقية قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص.
وإذا كان التاريخ قد علمنا أن الاقتصاد هو مرآة السياسة، فإن الحاضر يفرض أن تكون السياسة نفسها أداة لترسيخ اقتصاد أكثر عدالة وفاعلية واستدامة.














