بقلم: شحاته زكريا
(باحث في الشؤون الإقتصادية)
في رحلة الإنسان عبر التاريخ ظل العقل هو البوصلة التي تحدد مسار الحضارة تارةً يميل نحو السوق حيث الأرقام والمصالح والسلع وتارةً ينحاز إلى الكتاب حيث المعنى والقيمة والفكر. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: من يقود وعي المجتمع؟ أهو السوق بما يملكه من سطوة المال والإعلانات وصناعة الرغبات؟ أم الكتاب بما يحمله من تراكم خبرات ومعارف وقيم إنسانية؟
المجتمع مثل أي كائن حي يتغذى على ما يوضع أمامه. فإذا كانت موائد السوق مليئة بالمغريات المادية ، فإن مكتبات الفكر تمده بأطباق من الحكمة والمعرفة. غير أن المعضلة تكمن في أن السوق أسرع إغواء وأقرب إلى العين ، بينما الكتاب يحتاج إلى صبر ووقت وجهد. وهنا يتجلى الصراع بين ثقافة الاستهلاك وثقافة البناء بين زمن السرعة وزمن العمق.
في المشهد المعاصر نجد أن السوق لم يعد مجرد مكان لبيع السلع بل أصبح مصنعا للوعي نفسه. الإعلانات تحدد رغبات الناس قبل أن يشعروا بها والإعلام التجاري يوجه الأذواق، والمنصات الرقمية تصنع نمط الحياة وتعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية. لقد أصبح السوق في كثير من الأحيان “كتابا جديدا”، لكن صفحاته مكتوبة بلغة الربح لا بلغة القيم. وهذا لا يعني أن السوق عدو بل يعني أن هيمنته وحدها قد تحوّل المجتمع إلى كائن مادي يلهث خلف ما يُعرض عليه دون وعي أو نقد.
وعلى الجانب الآخر يظل الكتاب رمزا للمعنى العميق. ليس المقصود هنا الكتاب الورقي فحسب بل المعرفة والفكر بكل صورهما: من الفلسفة إلى الأدب ومن التاريخ إلى العلوم. الكتاب هو “الذاكرة الطويلة” للمجتمعات التي تحفظها من السقوط في دوائر النسيان. المجتمعات التي تهجر الكتاب تفقد قدرتها على التفكير النقدي وتتحول إلى جمهور يتلقى الرسائل من السوق دون مناقشة.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم هو اختلال ميزان العلاقة بين السوق والكتاب. حين يُترك العقل أسيرا للاستهلاك دون تغذية فكرية ، يصبح هشا سريع الانقياد قابلا للتلاعب. وحين يعلو صوت السوق وحده ، تتراجع الثقافة إلى الخلفية.وتختفي الأسئلة الكبرى لصالح الإجابات السريعة. بينما النهضة الحقيقية لا تقوم إلا على توازن بين الاثنين: سوق يوفر احتياجات الناس ويحقق التنمية وكتاب يوجه البوصلة الأخلاقية والفكرية لتلك التنمية.
تاريخ الأمم يثبت هذه الحقيقة. أوروبا لم تنهض في عصر النهضة لأن أسواقها امتلأت بالسلع فقط بل لأنها عادت إلى الكتاب إلى التراث اليوناني والعربي والإسلامي المترجم ، إلى الفلسفة والفكر والفن. وكذلك الحضارة الإسلامية في أوجها لم تكن قوية بفضل التجارة وحدها، وإنما لأنها جمعت بين حركة الأسواق في بغداد ودمشق والقاهرة وبين حركة المكتبات مثل بيت الحكمة ودار العلم.
في مصر والعالم العربي اليوم تبدو الصورة أكثر إلحاحا. السوق يفرض حضوره بقوة عبر منصات رقمية تصوغ الوعي وتتحكم في الاتجاهات ، بينما الكتاب يعاني من العزلة. ومع ذلك يظل هناك أمل في أن وعي المجتمع يمكن أن يُعاد تشكيله متى وُجدت الإرادة لخلق توازن جديد. نحن بحاجة إلى أن نُعيد الاعتبار للثقافة والفكر ليس كترفٍ للنخب بل كضرورة للبقاء في عالم لا يرحم من يتخلف.
الاقتصاد وحده لا يصنع أمة بل يصنع مجتمعا غنيا لكنه هش إذا لم يُدعَّم بوعي ثقافي. والثقافة وحدها لا تكفي إن لم تجد سندًدا من سوق عادل وقوي يوفر للناس احتياجاتهم. لهذا فالمعادلة الحقيقية هي أن نُعيد الجمع بين السوق والكتاب ، بين العقل العملي والعقل التأملي بين التنمية الاقتصادية والتنمية الثقافية.
إن السؤال الذي بدأنا به ليس سؤالا نظريا: من يصنع وعي المجتمع؟ بل هو سؤال مصيري. إذا تركنا السوق وحده صنع لنا وعيا استهلاكيا سطحيا. وإذا تركنا الكتاب وحده قد نصنع وعيا جميلا لكنه معزول عن الواقع. التحدي أن نخلق جسرا بين الاثنين حيث يكون السوق في خدمة الإنسان لا العكس، والكتاب في قلب الحياة اليومية لا على رفوف بعيدة.
إن العقل الجمعي للمجتمع يحتاج اليوم إلى “ثورة هادئة” تستعيد التوازن بين ما نستهلكه وما نفكر فيه. فالمستقبل ليس للغني بالمال وحده ولا للمثقف بالكتاب وحده بل لمن يجمع بين قوة الاقتصاد وعمق الفكر. بذلك فقط يمكن أن نصنع مجتمعًا متماسكا لا ينكسر أمام العواصف ولا يذوب في تيار الاستهلاك بل يكتب تاريخه بوعي وحرية.














