بقلم ✍️ أحمد رفاعي آدم (روائي وأديب)
يهتم كثيرٌ من الآباء والأمهات بالبحث عن أفضل أساليب التربية التي يمكنهم من خلالها تنشئة أبنائهم تنشئةً سوية، ويغفلون التركيز على احتياجات الطفل. فجانب رئيس للتربية الناجحة هو التعرف على احتياجات الطفل وبذل الجهد لتفهمها ثم توفيرها، وهناك مجموعة من الصفات الأساسية التي تسهم في تطور الطفل النفسي الاجتماعي. منها :
ـ الحاجة للحب والاطمئنان
ليس الحب ضعفاً كما يتصور البعض، وليس شيئاً تافهاً كما يتصوره البعض الآخر. ففي حياة الإنسان حاجات أساسية وأخرى ثانوية، لا يستطيع العيش بدون الأولى وإن كان بمقدوره التعامل بغير الثانية. والحب شأنه شأن الطعام والشراب، لا غناء للإنسان عنه فهو بحاجة إلى الحب والاطمئنان مذ يُخلق وحتى يموت، وهو في صغره أشد حاجة للحب وذلك حتى يكبر إنساناً سوياً في عواطفه، يُحِبُ ويُحَب.
قد تأخذنا الحياة في سعينا وراء لقمة العيش فتنسينا أن أطفالنا يحتاجون منا الحب كحاجتهم للمأكل والمشرب والملبس والمسكن.
من الضروري أن يفهم كل أب وأن تعي كل أم أن حاجة الطفل للحب والاطمئنان لا تقل بحال من الأحوال عن حاجته للنمو الجسدي والعقلي. فحب الطفل مدعاة لشعوره بالأمن والاستقرار ولنموه النمو الطبيعي من النواحي النفسية والعاطفية، بل والعقلية، ولوقايته من القلق والإحباط والصراع والعقد.
ولو تأملنا حكمة الله الذي أحسن كل شيءٍ خلقه لوجدنا أنه سبحانه قد أوجد في قلب الوالدين تجاه أولادهم كل الحب والعطف والحنان والرحمة. وجعل غذاء الوليد في صدر أمه لتضمه فتشعره بالدفء والحنان، فإذا به يحصل على غذائه الجسدي والنفسي في آنٍ واحد. الحب هو الذي يجعل الأهل أكثر حِلماً وصبراً وتفهماً، الحب كفيل بإزالة كل هموم التربية ونسيان معاناة التوجيه والإصلاح.
وليس من تعارض بين الحب والرحمة من جانب والحزم والشدة على الجانب الآخر، فالأب رحيم مشفق على ولده والأم نبع الحنان والرحمة تسقيهما لأطفالها في كل لحظة، لكنهما حازمان في التربية لا يقبلان الميوعة وتعمد ارتكاب الأخطاء ولا يتسامحان مع اللامبالاة وسوء الخلق.
هذه هي المعادلة: أن تربي أبناءك بحزم وتُقَوِّم كل سلوك معوج (بغير عنف مبالغ فيه)، وفي نفس الوقت يمتلأ قلبك رحمةً ومحبةً لهم، فترفق بهم في موضع الرفق وتأخذ موقفاً جاداً في موضع الشدة.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة. قال أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه وكان يُقعِدُ الحسن على فخذه الآخر ثم يضمهما ويقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما. إنه أسامة بن زيد نفسه الذي كان له موقفٌ آخر مع النبي صلى الله عليه وسلم. فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله، ثم قام فاختطب فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. إنه أوضحُ مثالٍ للرفق واللين في حينهما، والحزم والشدة حين يتطلب الأمر.
وختاماً، اعلموا أن الحب أفعال لا مجرد أقوال، فالطفل لا يدرك الحب إلا بدلائله، من ملامح الوجه وتعابيره، ومن اللهجة التي يُخاطب بها ومن نبرة الصوت، ومن معاملته باللطف والحِلم والتفهم. أي بإشعاره بأنه فعلاً محبوب ومقبول ومراد. إن الحب والسلوك الدال عليه والمواقف المؤيدة له، يجب أن تكون مُدرَكة من الطفل. فلا يكفي أن ندعي الحب، بل لابد من البرهنة عليه، سلوكياً وعملياً. وليست المحبة فقط في توفير الحاجيات والملابس واللعب والهدايا والمآكل الطيبة وما شابه، فالحب الحقيقي عاطفة ومشاعر وتفهم، وعلينا أن ندركَ أن للحب والعطف وظيفة تربوية هامة، فهو ليس ترفاً أو تسلية أو واجباً اجتماعياً أو مشترطاً بأن يكون الطفل حسب مزاجنا. إنه حقٌّ من حقوق الطفل الطبيعية غير المشروطة. فكما أننا مطالبون بتوجيه أبنائنا ومتابعة سلوكياتهم وباتخاذ المواقف اللازمة عند أخطائهم، فإننا مطالبون بفعل كل ذلك بحب ورفق ورحمة. حذار أن تنقلب التربية إلى كراهية ونفور!.














