الحياة يا صديقتي مسرح واسع لا تحده الجدران ولا تكبله الستائر، تتوالى عليه الفصول كما تتوالى المواسم، وتتعاقب فوقه الوجوه كما تتعاقب النجوم على سماء الليل. نحن فيه أبطال وعابرو سبيل، نلتقي ونفترق، نضحك ونبكي، كأننا صفحات كتاب يقلبه القدر بهدوء أحيانا وبعنف أحيانا أخرى.
كم من وجه دخل حياتنا كالشمس في صباح بارد، أضاء أيامنا بالدفء والألوان، فحسبناه الأبد الذي لن يغيب، فإذا به ظل قصير في نهار العمر يمضي قبل أن ندرك أننا أحببناه. وكم من يد امتدت إلينا في عتمة الطريق، أمسكت بنا حين كادت أرواحنا تتبعثر، ثم انسحبت في هدوء تاركة وراءها نورا يكفينا لأن نكمل الدرب ولو بقلوب مثقلة بالحنين.
الناس في حياتنا أدوار، منهم من يجيء ليعلمنا معنى الفرح، ومنهم من يجيء ليكشف لنا قسوة الفقد، ومنهم من يوقظ فينا الشجاعة النائمة، ويعيد إلى أرواحنا القدرة على النهوض. كل واحد منهم رسالة مكتوبة بحبر مختلف، بعضهم هدية من السماء، وبعضهم امتحانها، وبعضهم مجرد ظل عابر يذكرنا بأن لا شيء دائم سوى التغيير.
لا تلعني الفصول التي انطوت، فكل فصل انتهى لأنه أدى غايته، وكل وداع حمل في طياته بداية لم نرها بعد. دموعك التي سقطت لم تكن هدرا، بل غسلت غبار الأيام عن عينيك وأعادت إليك صفاء النظر. لا تجزعي من الستار إذا انحنى فجأة، فالسماء لا تبخل بشروق جديد، والقدر لا يعجز عن كتابة مشهد أجمل في الغد.
استقبلي القادمين بكرم روحك وودعي الراحلين بشكر صادق، لا تحملي حقدا لمن غادر، ولا تتشبثي بمن انتهى دوره، فالبقاء لله وحده. نحن الذين نصنع من حضورهم العابر معنى، ومن فقدهم درسا، ومن بقية حبنا أملا جديدا.
تذكري دائما أن البطولة في هذه الحكاية ليست لهم بل لك، أنت التي وقفت وسط العواصف وأنت التي منحت قلبك دون خوف، وأنت التي ستكملين المسرحية حتى آخر مشهد. فلتعيشي بكرامة، ولتحبي بصدق، ولتتركي أثرك فوق خشبة الحياة، حتى إذا انحنى الستار الأخير تبقى الأرواح شاهدة أنك مررت بهذا المسرح الكبير بوجه نقي وقلب عامر.
وحين يأتي الفصل الأخير لا تلتفتي إلى المقاعد الفارغة ولا إلى الوجوه التي غابت، يكفيك أن تعلمي أن كل من مر بحياتك كان خيطا في نسيجك، وأنك أنت التي نسجت القصة بدموعك وابتسامتك. وما دام في عينيك بقايا حلم وفي قلبك بقية حب، فإن العرض لم ينته بعد، وإن الفجر سيولد من جديد فوق مسرح العمر.














