# من أول السطر
برؤي استراتيجية عميقة ،وبروح وطنية جديدة ،واستشعارا للأخطار المحدقة علي كافة المستويات السياسية والاقتصادية ،أعلنت الحكومة المصرية مؤخرا عن خطة استراتيجية تحت مسمي “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية حتي 2030”.
والحق يقال أن هذا التوجه أثلج صدور المصريين بحثا عن بديل أفضل لحلول صندوق “النقد”، وأطروحات البنك الدولي وشروطه المجحفة، وبرامجه التي أرهقت كاهل المواطنين ولا تلتفت في كثير من الأحيان للفئات المتوسطة ،أوالأكثر احتياجا.
ومع الاجراءات الحمائية التي اتخذتها الحكومة خلال السنوات الماضية لتفادي الآثار السلبية لإشتراطات الصندوق بدأت إجراءات جادة لمراجعة موقفها من الصندوق قبل انتهاء موعد برنامجها مع البنك الدولي العام القادم.
وكما هو الحال في دنيا السياسة ومتغيراتها ، فيجب أن تكون هناك رؤي واضحة للإصلاح الإقتصادي وحتمية مراجعة تجربة مصر مع الصندوق ، بصورة تتوافق مع مواقف مصر السياسية القوية والحازمة خلال الآونة الأخيرة ،وعلي رأسها رفضها لكافة الضغوط والإغراءات والمساومات ، وكافة سيناريوهات التهجير القسري لأهل غزة وتصفية القضية الفلسطينية.
وتنطلق سردية مصر الوطنية لاستكمال مرحلة الإصلاح الاقتصادي ، وصولا لاقتصاد مستدام ،ونمط عصري من التنمية الفاعلة علي كافة المستويات..
وقد بدأت القاهرة فعليا تخطط لما بعد صندوق النقد الدولي ،حيث أعلنت الحكومة المصرية إطلاق فكرة “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية”، وهي خطة تهدف إلى وضع تصور للاقتصاد المصري خلال السنوات الخمس المقبلة حتى عام 2030، وبعد انتهاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، المقرر في نوفمبر عام 2026.
ووفقا لتصريحات د.مدبولي في مايو الماضي ،فإن الحكومة لا تعتزم طلب قرض جديد من الصندوق بعد انتهاء الاتفاق الخاص بالقرض الحالي.
وتتمثل أبرز بنود “السردية” في استراتيجية للسنوات الخمس المقبلة، تشمل التوسع في الاعتماد على القطاع الخاص، وتخفيف دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتركز على النمو وزيادة فرص التشغيل.
كما تستهدف رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 7% خلال خمس سنوات، مقارنة بـ4.5 % ، مستهدَف العام المالي الجاري (2025–2026). وتهدف أيضاً إلى مضاعفة عدد الوظائف الجديدة ليصل إلى 1.5 مليون وظيفة سنوياً، وزيادة قيمة الصادرات لتبلغ 145 مليار دولار بحلول عام 2030،.
كما تستهدف النزول بمعدلات الدَّين خلال المرحلة المقبلة.
والأمر الإيجابي ما أعلنه رئيس الحكومة من ضرورة أن تنعكس هذه الإصلاحات بالإيجاب على أحوال المواطنين خلال فترة قصيرة .
كما لفتت الحكومة إلى أن هذه السردية سيتم نشر تفاصيلها، وستخضع لحوار مجتمعي لمدة شهرين قبل اعتمادها.
10 سنوات مع صندوق النقد
وبالنظر إلى التجربة المصرية مع الصندوق ،فتعود المفاوضات بين مصر وصندوق النقد إلى تسعينيات القرن الماضي، حيث طالبت مصر مراراً بالحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، ولم يتم الاتفاق حتى عام 2016، حين أعلنت مصر تبني برنامج للإصلاح الاقتصادي مدته 3 سنوات، حصلت بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار على 6 شرائح لمدة 3 سنوات.
وبموجب هذا الاتفاق، تم تعويم الجنيه المصري في نوفمبر عام 2016، وانخفضت قيمته من 7 جنيهات إلى 16 جنيهاً مقابل الدولار.
وخلال السنوات التالية لـ2016، تأرجحت قيمة العملة المصرية أمام الدولار، ما بين 15 إلى 18 جنيهاً، حتى عام 2022، وبعد أزمة كورونا وتداعياتها السلبية ، ثم اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، شهدت العملة انخفاضاً حاداً جديداً، وبلغ سعر الصرف حينها 24 جنيهاً للدولار الأمريكي الواحد.
وفي أكتوبر من عام 2022، وقّعت مصر اتفاقاً جديداً مع صندوق النقد الدولي، تحصل بموجبه على 3 مليارات دولار لمواجهة أزمة نقص النقد الأجنبي في البلاد، بعد خروج استثمارات أجنبية غير مباشرة بأكثر من 20 مليار دولار في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي مارس 2024، وقّعت مصر اتفاقاً جديداً لزيادة قيمة القرض من 3 إلى 8 مليارات دولار،وكان الحفاظ على سعر صرف مرن هو الشرط الأساسي لكل هذه الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي، وخلال السنوات الأخيرة استمرت قيمة الجنيه المصري في الانخفاض حتى بلغت حاليا 48.2 جنيه مقابل الدولار.
ومن الحقائق أن تحرير سعر الصرف لم يكن الشرط الوحيد للاتفاقات مع الصندوق، حيث اشترط الصندوق أيضاً إجراء حزمة من الإصلاحات المالية والضريبية، ورفع الدعم عن الطاقة والمحروقات، وخفض الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، وخروج بعض شركات الدولة من الاقتصاد، مقابل زيادة تمكين القطاع الخاص.
ونتيجة للعديد من المتغيرات وموجات التضخم الأممية حدثت ارتفاعات متتالية في الأسعار.
وقد استفادت مصر من تحرير سعر الصرف، وتحرير أسعار الطاقة والغذاء، وزاد ذلك من قدرتها على جذب تدفقات استثمارية جديدة، لكن من الناحية الأخرى كان له تداعيات سلبية على المواطن ،لكنه استطاع التأقلم عن طريق إعادة هيكلة احتياجاته، وأولوياته والتخلي عن المنتجات التي كانت تعتمد على الاستيراد.
وتأمل مصر حكومة وشعبا فك الارتباط مع صندوق النقد الدولي وبدء مرحلة مغايرة وصياغة برنامج اقتصادي دون الحاجة إلى تمويل من صندوق النقد، مع الإستفادة من إيجابيات الصندوق في مجالات المشاورات، وفقا لآليات التعاون الدولي الفعال.
وفي تقديري أن “سردية المستقبل ” ،يجب أن تنطلق من استيعاب دروس الماضي والحاضر ،والتقييم الشامل والعادل لتجربة مصر مع الصندوق “بحلوها ومرها”، ورصد ما تحقق من إنجازات فعلية ،والإعتراف ببعض التأثيرات السلبية.
وهو عين العقل ورأس الحكمة.
والخلاصة أن مصر ،وكما اتفق خبراء الإقتصاد في حاجة لبرنامج وطني خالص ،ينطلق من توظيف الطاقات البشرية والطبيعية ،ويبتعد تماما عن الديون والقروض المكبلة وعن الحلول المستوردة والمعلبة ،والتي لا تتواءم في حالات كثيرة مع خصوصية المجتمع المصري وطبيعة الفترة الانتقالية وتركيبته الفئوية، وحجم الزيادة السكانية ،علاوة علي ضيوف مصر من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية ،والذين يتجاوز عددهم حاجز الـ 9 ملايين نسمة وفقا للإحصائيات الرسمية.
“سردية” مستقبل الوطن خطوة مهمة لتحقيق النمو المستدام الذي ينطلق من الثوابت الوطنية والاستفادة من تجارب الآخرين، ويضع نصب أعينه أهدافا محددة ، تعتمد على توظيف كافة الطاقات وتعزيز الشراكة العميقة بين القطاع الخاص والعام ،مع تعظيم دور الدولة في كافة مراحل الإنتاج تجنبا لمخاطر التوحش الرأسمالي ومحاولاته الدائمة للهيمنة وبسط ونفوذه السلبي في إدارة حركة الأنشطة التجارية محليا ودوليا.
إن إطلاق “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية” يمثل نقلة نوعية في مسار التنمية الشاملة، لما تحمله من رؤية استراتيجية تُعلي من قيمة الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، وإدماج القوى المدنية، وعلى رأسها المرأة والشباب،
وتُرسخ المفهوم الشامل للتنمية المستدامة القائم على العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص.
وهي ليست مجرد وثيقة اقتصادية نظرية، تعكس وعي الدولة بأهمية التفاعل المجتمعي والتنوع في مصادر التأثير، لكن هدفها إدماج القوى المدنية، وعلى رأسها المرأة والشباب، في آليات التخطيط والتنفيذ مما سيمثل خطوة متقدمة نحو بناء نموذج تنموي أكثر شمولا واتزانا.
وهي ليست شعارات بل منطلقات أصيلة تغطي محاور مهمة، وتعكس إرادة سياسية واضحة لبناء مجتمع أكثر عدالة وشمولا، مع دعم الاهتمام بسوق العمل وربطه بالتعليم الفني والمهني، مما يُعد تطورا حيويا يفتح آفاقا جديدة أمام الأجيال الجديدة، في كافة المحافظات والمناطق التي تحتاج إلى دفع عجلة التنمية بوتيرة أسرع وأكثر عدالة.
وأتصور أن “السردية” الاقتصادية الجديدة تمثل أيضا رسالة طمأنة للمجتمع المحلي والدولي، كونها تؤكد أن الدولة تتحرك وفق رؤية واضحة وقابلة للتنفيذ، تُراعي التحديات وتضع الحلول وفقا لأولويات واقعية، وهو ما يعزز الثقة لدى المستثمرين، ويدفع نحو شراكات أكثر فاعلية بين القطاعين العام والخاص.
وأتصور أن طرح السردية للنقاش المجتمعي يُجسد رغبة حقيقية في الاستماع لكافة الأصوات، فالمرحلة القادمة تتطلب تضافر الجهود وبناء توافق وطني واسع حول آليات التنفيذ.
وفي اعتقادي حتمية تكاتف الجميع علي المستوي الرسمي والشعبي والخاص لإنجاح البرنامج الجديد للأصلاح الاقتصادي والإسهام بفعالية في تدشين سطور السردية الوطنية الجديد “قولا وفعلا، باعتبارها سردية الأمل وتصحيح المسار، خطوة مهمة لتحقيق معدلات تنموية وقطف ثمار ما تحقق من إنجازات و مشروعات، بعيدا عن اختلاف الرؤي حول حسنات وسيئات تجرية مصر مع البنك الدولي وصندوقه ،والتي اضطرت القاهرة لخوضها لإعادة بناء الدولة،بعد سنوات مرة لمكافحة آثار الارهاب،واتقاء لسيناريو هات الفوضي والقضاء على كلمة “دولة”.
ومن المنصف أيضا إدراك حجم المؤشرات الإيجابية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة ، والتي ستشكل نقطة الإرتكاز في “سردية المستقبل” مثل عودة السياحة بكافة أنواعها وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج لأرقام غير مسبوقة وعودة الملاحة المنتظمة لقناة السويس وتراجع معدلات الإستيراد والاعتماد علي البديل المحلي وبدء تدشين عشرات الآلاف من المصانع الجديدة واستصلاح ومئات الآلاف من الأفدنة وزيادة الرقعة الزراعية ، ومن ثم ارتفاع معدلات إنتاج المحاصيل الزراعية ،علاوة علي الطفرة الهائلة في مشروعات البنية التحتية وشبكات الطرق والمحاور في كافة ربوع المحروسة.
وتبقي الإرادة الفاعلة هي أداة صنع المستحيل ،وأهم محددات تصحيح المسار نحو مستقبل أكثر استقرارا وإشراقا بإذن الله.














