
بقلم/احمد محمد علي
من ١٥ إلى ٢٠ سبتمبر، تتبدل ملامح الإسكندرية. المدينة التي طالما عُرفت بأنها ملتقى حضارات وميناء للحكايات، تتحول إلى خشبة كبرى، تضيء مسارحها بالأجساد والأصوات والظلال. إنها الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الإسكندرية المسرحي الدولي، دورة تحمل اسم الفنان الكبير محمد هنيدي، لتؤكد أن المسرح ما زال قادرا على أن يجمع العالم في فضاء واحد.
من ياقوت إلى وسوف وإبراهيم الفرن: مسار ممتد
في عام ٢٠٠٨ أطلق د. جمال ياقوت المهرجان ليكون نافذة تطل منها المدينة على تجارب المسرح المتعددة. واليوم، يواصل الفنان إسلام وسوف إدارة المهرجان، والسينوغراف الفنان إبراهيم الفرن رئاسته، بروح جديدة تعيد للإسكندرية صورتها الكوزموبوليتانية؛ مدينة الثقافة والانفتاح والاحتفاء بالتنوع. وتُحسب لرئيس المهرجان في هذه الدورة خطوة فارقة بتخصيص جائزة سنوية لأفضل عرض مسرحي بقيمة ١٥٠ ألف جنيه، تحمل اسم رجل الأعمال السكندري الراحل مشيل أحد، دعما للحركة المسرحية وتحفيزا لطاقاتها الشابة.
الرواد.. أوسمة على صدر المهرجان
ولأن المهرجان يدرك أن ذاكرة المسرح لا تحيا إلا برواده، يكرم المهرجان رموزا صنعت أثرا في المسرح المصري: المخرج الكبير عصام السيد، الفنان القدير علي الجندي، الناقد والكاتب يسري حسان، الفنان القدير محسن منصور، الفنانة سامية جمال، الروائي محمد سرور، المخرج محمود فؤاد صدقي، أستاذ النقد أحمد مجاهد، والشاعر الكاتب سامح عثمان. أسماء تربط الحاضر بالذاكرة المسرحية في سلسلة ووفاء واحتفاء ممتدة.
بانوراما العروض
برنامج هذه الدورة يكشف عن ثراء استثنائي. الافتتاح والختام بعروض مصرية تبدأ بـ “المطبخ” ، وتُختتم بعرضي “الأولاد الطيبون” و”الوحش” . وبينهما يتوزع الحضور العربي والدولي: من العراق “اليوم الآخر” ، ومن الأردن “اليوبيل” ، ومن الإمارات “١٧ ساعة”. وتشارك السعودية بعرضين هما “النعاشون” و”فزاعات” . أما عُمان فتحضر بـ “ولد أبوه” ، وتونس بـ “مقاطع”. ومن الكويت “أنتم مدعوون إلى حفلة”. الحضور الأوروبي تمثله عروض من فرنسا وصربيا، في حوار مفتوح مع المسرح المصري أمام جمهور الإسكندرية. هذه التعددية تجعل المهرجان بانوراما حقيقية للمسرح المعاصر، من الكلاسيكي إلى التجريبي، ومن المحلي إلى العالمي.
مختبر الإبداع.. من الخشبة إلى قاعات التدريب
المهرجان لا يكتفي بالعروض. ست ورش مجانية تفتح أبوابها للجميع: الفنان شريف الدسوقي في بناء الشخصية، السويسرية نينا ترابر في السرد بالحركة، د. محمد حسني في الأداء الصوتي، المهندس عمرو عبد الله الشريف في تشكيل الفراغ البصري، الأميركية مونيكا هنكن في التلقائية، والفنان السعودي فهد ردة الحارثي في كتابة النص المسرحي. الرسالة واضحة؛ المهرجان للشباب والجمهور والمدينة كلها.

المدينة تتحول إلى مسرح، البحر شاهد والشوارع ذاكرة.
الإسكندرية كلها تدخل في التجربة: من قصر ثقافة الأنفوشي إلى مسرح ليسيه الحرية، وصولا إلى المسرح الكبير بمكتبة الإسكندرية، ومن الشوارع المحيطة إلى البحر القريب. الجمهور شريك أصيل في الاحتفال، يشارك في الحوارات ويصنع مع الفنانين لحظة جماعية لا تُنسى.
المهرجان تظاهرة فنية تخص الإسكندرية. المدينة تستعيد وجهها القديم، وجها يعرف كيف يُصغي إلى أصوات الغرباء ويعيد صهرها في نسيجه. البحر، الممتد على مقربة من الخشبات، يبدو كجمهور صامت يحمل ذاكرة السفن والرحلات. والمسرح يعيد رسم صورة المدينة، ليجعلها ملتقى للثقافات ومختبرا للأسئلة الإنسانية الكبرى.
من ١٥ إلى ٢٠ سبتمبر، تصير الإسكندرية مدينة للمسرح، مدينة تعرف أن الفن هو الطريق كي يظل البحر حاضرا، والذاكرة حية، والإنسان قادرا على الحلم.
“فن الإلقاء”.. في دورة تدريبية بمهرجان المسرح التجريبي بالإسماعيلية














