بقلم ✍️ محمد بربر
( أديب ـ عضو اتحاد كتاب مصر)
اختبار ذاتي بامتياز، أنتَ أمام نفسك، وسؤال يباغتك بوضوح: هل يمكنك أن تخلع عن صدرك شوك الغضب وتزرع مكانه زهور الرضا والسلام النفسي؟
وقفت مشدوهًا أمام استبيانات أعدها فريق من الباحثين المبدعين، ضمن ورشة عمل عن ثقافة المسامحة، دعاني للمشاركة الدكتور رامي عطا صديق، أستاذ الإعلام ورئيس قسم الصحافة بأكاديمية الشروق، الكثير من الأسئلة التي توجّه إلى ذاتك ، المسامحة ليست ضعفًا، هي قوة الروح حين تسمو فوق جراحها، وهي حضارة خفية تُقاس بقدرة الإنسان على أن يخلع ما علق في الذاكرة والنفس، وما أتى على القلب من هموم، عن خيبات الأمل وسقوط العلاقات والمآلات المفاجئة.
في ندوة استضافتها مجلة الشباب بمؤسسة الأهرام، قدم عدد من الأكاديميين مباحث مختلفة، كانت الجلسة كأنها نداء داخلي خافت ظل يلحّ على وجداننا جميعًا، لكننا كثيرًا ما نؤجله، أو نطرده خشية أن يفسره البعض تهاونًا أو خضوعًا. ومع أن الأديان والشرائع والأعراف الإنسانية جميعها وضعت المسامحة تاجًا على رأس القيم، إلا أن واقعنا المعاصر ما زال يصرّ على استبدالها بثقافة الثأر والانتقام، وكأننا نعيش على جمرات الماضي لا على نور المستقبل.
على المستوى النفسي، تتجاوز المسامحة كونها قيمة أخلاقية لتصبح علاجًا سريريًا. تقارير الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) تؤكد أن المسامحة تخفف معدلات التوتر وتقلل من احتمالات الإصابة بالاكتئاب والقلق، ودراسات علمية أظهرت أن القلوب التي تتسامح تضخ دمًا أكثر انتظامًا، وأن أجساد أصحابها أكثر استعدادًا لمواجهة المرض، فالمسامحة – ببساطة – لا تعني العفو عن الآخر فقط، لكن إنقاذ الذات من عبودية الغضب والمرارة.
أما على المستوى المجتمعي، فهي مفتاح إعادة بناء الثقة. المجتمعات التي تعلّمت كيف تسامح – كما فعلت جنوب أفريقيا بعد تجربة الفصل العنصري عبر “لجنة الحقيقة والمصالحة” – استطاعت أن تعبر من جحيم الدم إلى أفق السلام. والمجتمع الذي يزرع التسامح بين أفراده، إنما يبني حصنًا ضد الانقسام والطائفية والكراهية، ويعيد لروحه القدرة على النهوض من تحت الركام.
يبقى السؤال الأهم: من يغرس هذه الثقافة؟
وإلى جانب أهمية المنزل والأسرة في تشكيل عقلية الأطفال، يبقى الإعلام هو الخزان الذي تُسكب فيه الصور الأولى للوعي. فإذا روّج الإعلام لخطاب الكراهية، زرع في النفوس ثمار الانتقام، وإذا قدّم قصص التسامح، أنبت في القلوب سلامًا داخليًا لا يُقهر. الدراما بدورها مرايا نفسية تعكس لنا ما نريد أن نكونه.
لقد رأينا في مسلسلات عديدة كيف تصعد قيمة التسامح فوق رغبة الثأر، وكيف يغدو الغفران انتصارًا أكبر من الانتقام. غير أن هذه الأعمال ما تزال نادرة وسط بحر من دراما الدم والانتقام.
ما طرحته الندوة من مناقشات هو مشروع حياة. نحن بحاجة إلى إعلام يرسخ خطاب المصالحة، إلى دراما تكف عن تغذية غريزة الثأر وتبدأ في غرس بذور الصفح، إلى مدارس تُعلِّم أبناءنا أن القوة الحقيقية ليست في اليد التي تُشهر السلاح، وإنما في القلب الذي يعرف كيف يُنزل السيف ويمنح الآخر فرصة جديدة.
الفرد الذي لا يسامح يظل أسير سجنه الداخلي، والمجتمع الذي لا يعرف الصفح يظل يدور في دوامة الانقسام، والأمة التي لا تزرع التسامح في إعلامها ودرامتها تظل واقفة على حافة الانفجار.
إنها ليست دعوة مثالية حالمة، بل دعوة عملية وواقعية، تعضدها علوم النفس والاجتماع، وتثبتها التجارب التاريخية. أن نتسامح يعني أن نمنح أنفسنا حق الحياة الكاملة، وأن نكسر حلقة العنف، وأن نؤمن أن الغد أجمل إذا استطعنا أن نغفر للأمس، وإن أردنا بناء الإنسان.














