بقلم: محمد سمير ابو الحمد
مصر أمام مفترق طرق. القطاع العقاري يظل محركًا رئيسيًا للتوظيف والنمو — لكنه أيضًا مصدر توتر للسيولة والأسعار. السؤال العملي والاقتصادي الآن: هل نستمر بالسماح للمطورين بأن يقوموا بدور البنوك عبر أنظمة «البيع بالتقسيط» طويلة الأمد، أم نسرّع التحول إلى التمويل العقاري المنظم من بنوك وشركات مرخّصة؟ الخيار الثاني ليس رفاهية فنية، بل ضرورة لحماية الاقتصاد من فقاعة عقارية محتملة. بحيث نحمي المستهلك، ونطوّر سوقاً راسخة ومستدامة بدلاً من سوقٍ مبنية على ائتمان ضمني هش وغير شفاف.
أين نقف اليوم؟ — أرقام تعكس الفجوة
أحدث تصريحات قيادات القطاع وبرامج الجهات الرقابية تكشف واقعًا صادمًا: التمويل العقاري في مصر لا يتجاوز نسبة 1% من الناتج المحلي، بإجمالي تمويلات من البنوك ومؤسسات التمويل في نطاق الـ80–95 مليار جنيه بحسب مصادر رسمية وتقارير صندوق الإسكان وهيئات رقابية. هذا في سوق قيمته الحقيقية أكبر بعشرات المرات، ومقارنة بمعدلات عالمية تتراوح عادة بين 10% و30% أو أكثر.
نقطة أخرى لا تقل خطورة: أكثر من 90% من الوحدات العقارية في مصر غير مُسجلة بالشهر العقاري، ما يحرم السوق من ضمانات رهن واضحة ويعقّد قدرة البنوك على توسيع التمويل العقاري بشكل آمن. هذه الثغرة في نظام التسجيل تعني أن محفظة «البيع بالتقسيط المباشر » لدى المطورين تبقى خارج الرقابة المصرفية الرسمية.
كمثال عملي على تراكم الأقساط لدى المطور: تقارير شركات كبرى أظهرت أن مستحقاتها (notes receivable) كبيرة — مثل شركة Madinet Masr التي سجلت نحو 2.3 مليار جنيه مستحقة بنهاية 2024 — دليل ملموس على أن جزءًا كبيرًا من الائتمان الفعلي يُمنح خارج البنوك.
لماذا هذا الخطر؟ — بيع المطورين بالقسط كائتمان غير منظّم
أنظمة «البيع بالقسط» طويلة الأجل (5–10 سنة أو أكثر) تحوّل المطوّر إلى مقرض غير منظّم:
لا تخضع لاختبارات جدوى أو قدرة سداد بمقاييس مصرفية.
لا تعتمد عادةً على رهن قانوني موثّق بالشهر العقاري.
تزيد من إحكام المضاربة (flipping) لأنها تسهّل دخول مستثمرين يبيعون لإعادة الربح السريع.
هذه العناصر تُنتج «ائتمانًا ضمنيًّا» خارج المنظومة المصرفية، ويكاد يكون سهل الانهيار عند أي صدمة اقتصادية. ولذلك التحوّل إلى التمويل العقاري البنكي المنتظم مهم لفرض ضوابط الائتمان، تقييم المخاطر، وحماية المستهلك.
ما الذي أفسد المبادرات الحالية؟ ولماذا تحتاج تحديثًا؟
الدولة أطلقت مبادرات وتمويلات لدعم التمليك (مبادرات بفوائد منخفضة 3% و 8% لفئات محدودي ومتوسطي الدخل)، لكن الشروط سقوفها السعرية لا تتماشى مع الواقع السعري الحالي للوحدات (التي وصلت كثيرًا إلى 3–3.5 مليون جنيه في بعض المناطق). مع تضخم وتغير أسعار البناء، أصبحت شروط سقف الوحدة المعلن للمبادرة 2.5 مليون جنيه غير ملائمة. وليس ذلك فقط بل ان شروط دخل صافي محددة (مثلاً متوسط بفائدة 8%: أعزب 40,000 جنيه، أسرة 50,000 جنيه؛ ومحدود/متوسط بفائدة 3%: أعزب 13,000 جنيه، أسرة 18,000 جنيه) بحاجة لمراجعة وفق التطورات التضخمية والتغير في الدخول الحقيقية.
كما أن قرار البنك المركزي عام 2020 الذي سمح للبنوك بأن تصل حصّة التمويل العقاري إلى 10% من محفظة القروض صنّع إطارًا تنظيميًا لكنه يحتاج مرونة وتحديثات عملية لتشجيع البنوك على التوسع في هذا المسار.
دستور الحلّ — روشتة إصلاح متكاملة قابلة للتنفيذ
إليك خارطة طريق عملية وقابلة للتطبيق فورًا لحماية السوق وتشجيع التمويل العقاري البنكي:
1. تحديث مبادرات الدعم (فوري)
رفع سقوف قيمة الوحدة المؤهلة لمبادرات التمويل أو تعديل الطبقات السعرية بما يتناسب مع الأسعار السوقية الحالية.
توسيع الفئات المستفيدة لتشمل «الطبقة الوسطى العليا» وبرامج إعادة التمويل لأصحاب أقساط مطوّرة قائمة.
2. إلزام الحسابات المجنبة (Escrow accounts) لكل مشروع (فوري–قابل للتطبيق)
إلزام المطوّر بتحويل مدفوعات المشترين إلى حساب إئماني يُدار من قِبل طرف ثالث (بنكي/محكم) ويسمح بصرف أموال للمطوّر فقط عند بلوغ نسب إنجاز محددة (مثال: 20%، 50%، 80%). هذا يحمي المشترين ويمنع استنزاف السيولة في مشاريع غير مكتملة.
3. اشتراط التسجيل بالشهر العقاري للاستفادة من مزايا أو تسهيلات (قانوني/تنفيذي)
ربط منح امتيازات ضريبية أو دعم تمويلي أو بيع مُيسر بشرط تسجيل الوحدة خلال مهلة زمنية بعد التسليم (مثال: 6 أشهر). هذا يحفز المطوّرين على إتمام إجراءات التوثيق ويقلل المخاطر الائتمانية أمام البنوك.
إيجاد آليات قانونية لتيسير تسجيل وحدات غير مسجلة بالشهر العقاري حتى تدرج ضمن شروط التمويل العقارى.
4. إفصاح إجباري عن محفظة المستحقات (Regulatory reporting)
إلزام المطوّرين بالكشف الدوري عن «المستحقات/receivables» وربطها بقاعدة بيانات FRA&Banks لبناء مؤشر قطاعي لمخاطر البيع بالتقسيط. هذا يسمح للبنوك وراسمي السياسات برصد تراكم الائتمان خارج المنظومة.
5. آلية ضمان جزئي للمقترضين (Partial credit guarantee)
إنشاء صندوق ضمان تشارك فيه الدولة/البنك المركزي وبنوك رائدة لتغطية الخسائر الأولية (مثلاً 20–30%) للتمويل تحت الإنشاء، ما يشجّع البنوك على قبول شرائح أوسع من المتقدمين.
6. فتح قنوات تمويل ثانوي/توريق (متوسط–طويل الأجل)
دفع إطلاق أدوات سوق المال المضمونة بالرهن (covered bonds / MBS) وصناديق REITs لجذب سيولة مؤسسية (تأمينات وصناديق معاشات)، ما يوفّر تمويلًا مطابق الأجل للمحافظ العقارية.
7. أدوات للحد من المضاربة (Flipping)
فرض ضريبة تداول تصاعدية على إعادة البيع خلال فترات زمنية قصيرة، وضبط LTV “نسبة التمويل إلى القيمة” للصفقات غير السكنية لتقليل الجاذبية المضاربية. هذه سياسات فعّلتها أسواق مثل سنغافورة وهونغ كونغ بنجاح.
ماذا عن سياسة الفائدة؟ هل التنازل عنها سيكون الحل؟
خفض أسعار الفائدة في أغسطس 2025 أعاد الحديث عن دور تكلفة المال في تشجيع الاقتراض العقاري. خفض الفائدة يقلل تكلفة القرض ويزيد الإقبال، لكنه ليس كافيًا لوحده — يجب أن يقترن بإصلاحات التسجيل والضمان والشفافية حتى لا يتحول خفض الفائدة إلى وقود فقاعي.
لماذا هذا المسار ضروري الآن؟
التطوير العقاري يمثل جزءًا هامًا من تركيبة العمالة في مصر — وقيادات القطاع تشير إلى أن نسبته في التوظيف تصل إلى 16.5%؛ لذلك أي خلل في هذا القطاع له انعكاسات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
التحوّل من «بيع التقسيط لدى المطورين» إلى «تمويل عقاري مصرفي ومنظّم» ليس تجميدًا للنشاط بل خلق سوق أكثر عمقًا واستدامة. عبر تحديث المبادرات الحكومية، إلزام آليات الحماية (escrow، التسجيل)، وفتح قنوات تمويل طويل الأجل، يمكننا تحويل العقار من «قنبلة محتملة» إلى «قاطرة للنمو» تعمل على توظيف ملايين وتوفير مساكن مستدامة دون خلق فقاعة.
إذا أرادت الحكومة والبنوك والمطورون والشركاء الدوليون التحرك معًا الآن، فسنمنح السوق ثلاث فوائد متزامنة: حماية المستهلك، استقرار الأسعار، وتوفير سيولة منسجمة مع مخاطر حقيقية — وهذه هي معادلة منع الفقاعة.














