بقلم ✍️ د.خالد سالم (أستاذ بيوتكنولوجيا المحاصيل ـ معهد الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية جامعة مدينة السادات مصر )
في ظل التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجهها مصر، بات من الواضح أن قطاع الزراعة بحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة شاملة، تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة. لم يعد من الممكن الاعتماد على الأساليب التقليدية في الزراعة لمواجهة مشكلات مثل ندرة المياه، وتدهور التربة، وتغير المناخ، والنمو السكاني المتسارع.
ومن هنا، تبرز التكنولوجيا الزراعية باعتبارها الأمل والمستقبل الحقيقي للزراعة في مصر.
ـ أولاً: أزمة المياه ودور التكنولوجيا في ترشيد الاستخدام:
تمثل مشكلة ندرة المياه أحد أكبر التحديات التي تواجه الزراعة في مصر، خاصة مع ثبات حصة مصر من مياه نهر النيل، في مقابل تزايد الطلب على الغذاء. وتستهلك الزراعة نحو 80% من إجمالي الموارد المائية، ما يفرض ضرورة التحول نحو أنظمة ري ذكية.
تعتمد هذه الأنظمة على تقنيات مثل الاستشعار عن بُعد وتحليل البيانات المناخية والتربة، لتحديد الكمية الدقيقة من المياه التي يحتاجها كل محصول في كل مرحلة نمو، وهو ما يسهم في تقليل الهدر وتحقيق إنتاجية أعلى بنفس الموارد.
ـ ثانيًا: الزراعة الدقيقة: مستقبل الحقول الذكية
ظهر مفهوم الزراعة الدقيقة (Precision Agriculture) كأحد الحلول الرائدة في مجال التكنولوجيا الزراعية، ويعتمد على استخدام تقنيات مثل:
الطائرات بدون طيار (Drones) لمراقبة المحاصيل،
الذكاء الاصطناعي (AI) لتحليل البيانات،
وأجهزة إنترنت الأشياء (IoT) لقياس رطوبة التربة ومستوى العناصر الغذائية.
تتيح هذه التقنيات للمزارع إدارة مزرعته بطريقة علمية، مع تقليل الهدر في الأسمدة والمبيدات، وتحقيق أعلى عائد من الإنتاج.
ـ ثالثًا: مقاومة التغيرات المناخية:
في ظل التغيرات المناخية التي تؤثر سلبًا على الزراعة، من موجات حر وجفاف وفيضانات، توفر التكنولوجيا الزراعية حلولاً فعالة، مثل:
ـ تطوير سلالات نباتية مقاومة للجفاف والحرارة.
ـ اعتماد تقنيات الزراعة الرأسية والزراعة بدون تربة (الهيدروبونيك والأيروبونيك) التي توفر المياه وتناسب البيئة الحضرية،
واستخدام نظم إنذار مبكر للتنبؤ بالكوارث المناخية والحد من آثارها على المحاصيل.
رابعًا: الثورة الرقمية في التسويق الزراعي:
لم تقتصر التكنولوجيا على الإنتاج فقط، بل امتدت لتشمل سلاسل التوريد والتسويق. فقد ظهرت العديد من المنصات الرقمية التي تربط المزارعين بالأسواق مباشرة، ما يقلل من دور الوسطاء ويضمن سعرًا أفضل للمزارع.
كما بدأت تجارب لاستخدام تقنية البلوك تشين في تتبع المنتجات من المزرعة إلى المستهلك، ما يعزز من الشفافية ويزيد من ثقة المستهلكين في جودة المنتج الزراعي المصري، خاصة الموجه للتصدير.
خامسًا: دعم حكومي واستثمارات واعدة:
تشهد مصر في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في توجهات الدولة نحو الزراعة الحديثة، يتجلى ذلك في:
ـ إطلاق مشروع كارت الفلاح الذكي لرقمنة الخدمات الزراعية،
إنشاء مزارع نموذجية تعتمد على تقنيات متطورة،
ـ دعم التوسع في المحاصيل الاستراتيجية في مناطق مثل توشكى والدلتا الجديدة،
وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في مجالات الزراعة التكنولوجية.
وتسعى الحكومة أيضا إلى ربط البحث العلمي بالتطبيق العملي، من خلال التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية، ونقل التكنولوجيا إلى صغار المزارعين.
خاتمة: من التقليدية إلى الذكاء الزراعي
إن مستقبل الزراعة في مصر يتوقف على قدرتها على التحول من نمط الزراعة التقليدي إلى الزراعة الذكية. فالتكنولوجيا لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة لمواجهة التحديات المتصاعدة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج الزراعي المصري في الأسواق العالمية.
إن الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية اليوم، هو الاستثمار في مستقبل مصر الغذائي والاقتصادي غدًا.














