بقلم ✍️ د.ياسمين جمال
(باحثة دكتوراة الإعلام التربوي ـ جامعة عين شمس)
في السنوات الأخيرة أصبح المحتوى السريع مثل مقاطع “الريلز” على فيسبوك وإنستجرام، أو فيديوهات “تيك توك” القصيرة ، ظاهرة طاغية على حياة الشباب، فقد تحولت هذه المنصات إلى مساحة رئيسية يقضي فيها الشباب ساعات طويلة يوميًا، يتنقلون من مقطع إلى آخر بسرعة خاطفة. ورغم بساطة هذه الفيديوهات وقصر مدتها، إلا أنها تركت تأثيرًا عميقًا في سلوكيات الشباب وعاداتهم اليومية.
ويمكننا القول أن المحتوى السريع وفّر للشباب مساحة للتعبير عن الذات، حيث إنه الآن بإمكان أي شخص أن يصوّر مقطعًا قصيرًا يشارك فيه موهبته أو فكرته أو حتى لحظات من يومه.
وعزّز هذا الإبداع، وشجع الكثيرين على اكتشاف قدراتهم في مجالات الفن، والموسيقى، والكوميديا، وحتى التعليم. كذلك، ساعد هذا النوع من المحتوى في نشر المعلومات بسرعة، وإيصال الرسائل التوعوية لجمهور واسع في وقت قصير.
ولكن من جهة أخرى، لا يخلو الأمر من آثار سلبية، إذ إن التعود المستمر على المقاطع القصيرة جعل الكثير من الشباب أقل صبرًا على متابعة محتوى طويل أو قراءة موضوعات معمّقة، مما أثر على قدرتهم على التركيز والانتباه لفترات طويلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض التحديات أو المقاطع غير المناسبة التي تنتشر بسرعة قد تدفع المراهقين إلى تقليد سلوكيات خاطئة أو خطيرة، فقط بدافع التقليد أو البحث عن الشهرة.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد غيّر المحتوى السريع شكل التواصل بين الأصدقاء، فبدلًا من الحوار المباشر، أصبح كثير من الشباب يفضلون مشاركة مقاطع مضحكة أو مقاطع رائجة للتعبير عن مشاعرهم أو مواقفهم، وهو ما أضاف نوعًا جديدًا من التفاعل لكنه أضعف أحيانًا مهارات التواصل الواقعية.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى الموازنة بين الإفادة من هذا المحتوى كأداة للترفيه والإبداع، وبين الحذر من الانغماس المفرط فيه.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة في توعية الشباب بأهمية الاستخدام المعتدل لهذه المنصات. فالمحتوى السريع ليس شرًا مطلقًا، لكنه يحتاج إلى وعي بكيفية الاستفادة منه، والقدرة على التفرقة بين ما هو مفيد وما هو مضلل.
كما أن الدولة بدورها مطالبة بدعم صناع المحتوى الهادف، وتشجيع المبادرات التي تستغل هذه المنصات لتقديم محتوى تعليمي وتثقيفي يجذب الشباب بنفس الأسلوب السريع.
لذا، يمكننا القول إن “الريلز” و”التيك توك” أصبحا جزءًا من حياة الشباب، غيّرا من سلوكياتهم ونظرتهم للتواصل والترفيه والمعرفة، فإذا وُجّه هذا المحتوى بشكل صحيح، فإنه قد يكون وسيلة فعالة لنشر الإيجابية والإبداع، أما إذا تُرك بلا وعي أو رقابة، فقد يتحول إلى أداة تُضعف التركيز وتزرع أنماطًا سلوكية خاطئة.
ومن هنا تبقى مسؤوليتنا جميعا (أسرة ومجتمعًا ودولة)، وأن نوجه شبابنا لاستخدام هذه الأدوات بما يحقق لهم الفائدة ويحميهم من الانزلاق في مسارات غير آمنة.














