بقلم ✍️ د. آية طارق عبدالهادي
(مُدرس بقسم الإعلام المسموع والمرئي ـالمعهد الكندي العالى لتكنولوجيا الإعلام الحديث)
حين جلس الجمهور المغربي لمشاهدة مسرحية «تخرشيش»، لم يكن يتوقع أن يجد نفسه أمام مواجهة قاسية مع أكثر القضايا حساسية: الاغتصاب، وزنا المحارم، والعنف داخل الأسرة.
النص الذي كتبه عبدالفتاح عشيق وأخرجته مريم الزعيمي لم يسعَ إلى مداراة الصدمة أو تجميلها، بل قدّمها بواقعية جارحة جعلت المشاهد يتململ في مقعده وكأنه يلمس الجرح بيده.
فمنذ اللحظة الأولى لم يكن الهدف الإمتاع أو الترفيه، بل استفزاز الضمير الجمعي وإجباره على النظر إلى ما يجري خلف الأبواب المغلقة. وهنا انقسمت ردود الأفعال بين فريق اعتبر العمل إبداعاً شجاعاً يواجه المحرَّمات، وفريق آخر رأى فيه تعدياً على الذوق العام وتجاوزاً للخطوط الحمراء.
وهذا الجدل لا يبدو بعيداً عن التجربة المصرية في السينما. ففي نهاية عام 2010، خرج إلى النور فيلم «678» الذي كتبه وأخرجه محمد دياب، متناولاً قضية التحرش الجنسي من خلال قصص ثلاث نساء عانين العنف الصامت في حياتهن اليومية. كان الفيلم صادماً بالقدر نفسه؛ إذ رآه البعض صرخة إنسانية وجرس إنذار لمجتمع يتغاضى عن كارثة أخلاقية، بينما هاجمه آخرون واعتبروه فضيحة تمس سمعة مصر وتُظهرها في صورة غير لائقة، ومع ذلك، ظل «678» علامة فارقة في تاريخ السينما العربية، ليس لأنه قدّم حبكة درامية متقنة فحسب، بل لأنه حرّك المياه الراكدة وأجبر المجتمع على الاعتراف بأن التحرش لم يعد مجرد «حالات فردية»، بل ظاهرة تستدعي المواجهة.
والقاسم المشترك بين «تخرشيش» و«678» أن كليهما لم يهرب من الصدام مع الجمهور فصنّاع المسرحية أكدوا أن عملهم لم يكن بحثاً عن الإثارة، وإنما محاولة لكسر ثقافة الصمت التي تخنق الضحايا وتحول معاناتهم إلى أسرار عائلية مدفونة.
وبالمثل، دافع محمد دياب عن فيلمه باعتباره خطوة جريئة لكسر الحاجز النفسي الذي يمنع النساء من الكلام. وهكذا صار الفن في الحالتين أشبه بمرآة متصدعة تعكس واقعاً مؤلماً، لكنها تمنح في الوقت ذاته فرصة لإعادة النظر.
وهذا ما يضاعف قوة التجربتين أن الهجوم عليهما جاء من المنطلق نفسه: الحرص على صورة المجتمع أمام العالم.
ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل حماية الصورة أهم من مواجهة الحقيقة؟ إن صمتنا حفاظاً على «السمعة» لا يمحو الجريمة، ولا يشفي الجرح، بل يتركه ينزف في الخفاء حتى يتضاعف أثره.
أما مواجهة القبح، فقد تكون قاسية، لكنها السبيل الوحيد إلى العلاج.
وفي النهاية، يظل الفن في المغرب كما في مصر محاصراً بين مطرقة النقد وسندان المسؤولية. غير أنه، رغم كل ما يُثار حوله، يترك وراءه سؤالاً يتردد في أذهان المتلقين بعد أن تُطفأ الأضواء: هل يصمت الإعلام والفن عن المسكوت عنه صوناً للراحة العامة، أم أن رسالتهما الحقيقية أن يعرضا الجرح على الملأ، مهما كانت مرارته، حتى يصبح العلاج ممكناً؟.














