بقلم ✍️ د.سحر سالم
(مدير عام إذاعة القناة سابقا ـ استشارى الصحة النفسية والأسرية)
تعيش غزة هذه الأيام واحدة من أصعب فصول معاناتها، حيث يواصل العدوان الإسرائيلي استهداف المدنيين العُزّل بلا هوادة، مخلفًا وراءه عشرات الشهداء والجرحى، وأسرًا تُهدم بيوتها فوق رؤوسها. صور الأطفال المحاصرين تحت الأنقاض، وصيحات الأمهات المكلومات، لم تعد مجرد مشاهد عابرة، بل أصبحت شهادة دامغة على قسوة واقع يفتقد لأبسط القيم الإنسانية.
المشهد السياسي لا يقل قسوة عن المأساة الإنسانية. فبينما ترفع الدول شعارات حقوق الإنسان في المحافل الدولية، يخيّم الصمت المطبق على المجتمع الدولي إزاء ما يجري. بيانات الشجب والإدانة لم تعد تُجدي، وأصبحت أقرب إلى عبارات إنشائية تذوب أمام مشهد الدم المسفوك في غزة. وفي الوقت الذي ينتظر فيه أهل القطاع بارقة أمل بوقف إطلاق النار، تتحول جلسات النقاش الدبلوماسية إلى جدل مطوّل يطيل عمر المعاناة.
وسط هذا المشهد القاتم، تبرز الجهود المصرية كصوت عقل يسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فمصر تتحرك على أكثر من مستوى، عبر اتصالات دبلوماسية مكثفة مع القوى الدولية والإقليمية ، للدفع نحو وقف فوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية.
وقد شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي في تصريحاته الأخيرة على أن مصر “لن تسمح بأي تهجير قسري للفلسطينيين”، معتبرًا أن أي محاولة لدفع سكان غزة نحو النزوح تمثل تهديدًا مباشرًا للقضية الفلسطينية وللاستقرار الإقليمي. كما أكد الرئيس أن القاهرة تواصل جهودها من أجل التهدئة، وإطلاق سراح الأسرى، والحفاظ على الحقوق الفلسطينية وفق القانون الدولي.
سياسيًا، يتضح أن الملف الفلسطيني بات اختبارًا حقيقيًا لمدى مصداقية النظام العالمي. فكلما تصاعدت وتيرة العنف، كلما انكشف عجز المجتمع الدولي عن توفير الحماية لشعب أعزل يعيش تحت الحصار منذ سنوات.
ورغم الجهود التي تبذلها بعض العواصم العربية، وفي مقدمتها القاهرة، إلا أن المشهد يظل مرهونًا بميزان القوى وإرادة الأطراف المؤثرة على الساحة العالمية.
أما في الداخل الغزّي، فإن روح الصمود ما زالت تُدهش العالم. فبرغم القصف والدمار، يصرّ الناس على التشبث بحقهم في الحياة، ويحوّلون الألم إلى رسالة صامتة للعالم: “نحن هنا… لن نُمحى”. تلك الروح، في ظل هذا التوازن المائل للقوة، هي السلاح الأصدق في مواجهة آلة الحرب.
تبقى غزة اليوم جرحًا مفتوحًا على جبين الإنسانية، واختبارًا صارخًا للعدالة الدولية. وبين أنين الأطفال تحت الركام، وصوت القاهرة الرافض للتهجير، وصمت العالم المطبق، يظل السؤال معلقًا: متى تتحول الكلمات إلى أفعال تحفظ حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة؟.














