# صور من ألبوم الحياة
ويتجدد اللقاء مع إبداعات أدباء ومواهب أبناء أرض الكنانة..وضيفنا في هذه السطور الأديب الروائي أحمد رفاعي آدم والذي أهدي بوابة “الجمهورية أون لاين” عبر نافذتها “المساء ” قصته “طاقة ألم” من مجموعته القصصية “صور من ألبوم الحياة ” ننشرها عبر هذه السطور..
🍂
طاقة ألم
لقيته ذلك النهار عند مدخل شارعنا، فهالني منظره. كان أشبه بحُطام .. ملابسه غير منتظمة، شعره منكوش في لا مبالاة، ملامحه حزينة كأن هموم الدنيا أمطرت فوق رأسه، وكان يسير بخطوات ثقيلة غير مكترثة وهو ساهم النظرات. استوقفته حين لم يلق علي السلام وسألته: “ما لك يا حسني؟” فقال ببرود: “لا شيء”. ولم أقتنع برده طبعاً فطلبت منه أن نلتقي ونتحدث فوافق بصعوبة.
التقينا مساءً في المقهى. وراح يحكي لي مشكلته التي -على حد قوله- تؤرقه منذ شهور حتى أنه لم يعد يحتمل إحساسه المرير بالظلم. البداية كانت بعد زواجه بشهر، حين انتهت مراسم افتتاح الحياة الزوجية والتي تدوم لأسابيع وتكثر فيها لحظات السعادة والهنا والسرور، وتقلُّ فيها لحظات الخلاف والشجار، ففي الأيام الأولى من الزواج يسعى كل طرف لإظهار أحسن ما فيه ويجتهد ليخفي عيوبه وسلبياته مُقنعاً نفسه -وهو خادعها من حيث لا يدري- أنه يتغير للأفضل. انقضى شهر العسل سريعاً لتحل محله أيام من المخلل. وشتان بين الطعمين!
قال حسني:
أنا تعبان يا صاحبي. تعبان ومش قادر أستحمل. قلبي مليء بالحب لكنه حبٌ قَلِق. ونفسي قانعة بشكل حياتي ومستواها لكن بدأ يدب فيها وسواس الجحود. تزوجْت ُوعاهدتُ نفسي على ألا أُظهر إلا السعادة ولا أُضمر سوى الرضا. ولكن يبدو أنني أخطأت.
سألته مستغرباً: لماذا؟
فقال بعدما نفخ في حزن:
أساءت زوجتي فهم طبعي، وظنتْ أنني كائنٌ سعيد بالفطرة، لا يحزن، أو بمعنى أدق: لا يجوز له أن يحزن أو يشعر بضيق، لا يجب أن أتضايق أو أشكو من أي شيء، هي فقط من لها الحق في الحزن والزعل والضغط النفسي، هي فقط من تتألم وتشتكي وتفضفض، وأنا كل دوري أن أنصت وأطبطب وأخفف عنها ما يلم بها، دون أن أمل أو أعترض، دائماً هي المظلومة والخائفة والتائهة والمتوجعة، أما أنا فليس من حقي أن أتململ ولا أن أضيق ذرعاً ولا أن أزفر يوماً وأقول أني تعبان. حتى تحولت حياتي إلى جحيم، بل جحيمين، جحيم أحزانها وشكواها التي لا تنقطع، وجحيم غربتي ووحدتي وألمي المكتوم. ألا يكفي ذلك لأعلن انهزامي ويأسي؟ ألا يكفي ذلك – يا صديقي- لأصرخ من أعماقي أنني تعبان ولا رغبة لي في العيش؟ تعبتُ من مشاكلنا التي لا تنتهي!!
فأومأت برأسي معلناً موافقتي لقوله وتضامني مع حالته. ولكني لم أشأ أن أكون حافزاً يدفعه لقرارٍ مجنون ربما ينتهي بالقضاء على حياته الزوجية في بدايتها، فجعلتُ أخفف عنه وأُهوِّنُ من مصيبته فكل أيام الحياة مزيج من الفرح والألم، واليسر والعسر، الحياة فيها النسيم الهادئ وفيها أيضاً العواصف والزعابير. ومن منا لا يشكو؟ ومن منا لا يُشتكى منه؟ ليست الشطارة في جعل كل الأيام سواء، وليس ممكناً كتم أنفاس الاختلافات، فالخلاف موجود، شئنا أم أبينا، لسبب بسيط، هو أننا مختلفون. ما الأسرة إلا زوج وزوجة وأبناء، لكلٍ منهم شخصيته وسماته وطبعه وميوله، ومهما بلغوا من التقارب والتفاهم تبقى بعض العناصر عسيرة على الامتزاج، وهذا أمر طبيعي. الحب الحقيقي ليس مجرد مشاعر، بل أفعال واقعية تعكس الصبر على خطأ الآخر، وقبول زلاته وتفهم لحظات غضبه، الحب الناجح يُتَرجم إلى معاملة حسنة ومودة ورحمة، وكلها سمات كفيلة بسكب إكسير الصبر والتقبل والتفاهم على الحياة الزوجية فتدوم وتسكن وتستقر.
نظر إلي صديقي في ذهول وكأن كلامي أصاب موضعاً حساساً في نفسه، فقال محتجاً:
كلامٌ جميل، ولكن الواقع مختلف، قل لي بالله عليك: أليس من المنطق أن يأتي هذا الحب العملي من كلا القلبين؟ أليس من العدل أن يتبادل الزوجان التفاهم والصبر والمودة والرحمة؟ ما الفائدة من إيجابية قلب إذا كان القلب الآخر يقطر سلبيةً ولا مبالاة؟
كان صديقي يسأل ويلح في السؤال كأنه في معركة يستنفد فيها كل طاقته، كان يتحدث بقناعة تامة لما يجول في صدره ولا ينوي الاقتناع بما سأقوله له، لكنني ابتسمت على أي حال ثم أخذت بضع رشفات من فنجان القهوة لأمنح نفسي فرصة أرتب فيها أفكاري وأمنحه فرصة ليهدأ، إذ لا جدوى من الحديث مع مغلقٍ عقله. كان لابد أن تهدأ أنفاسه وتستقر نبضات قلبه وتغادر ملامح الغضب قسماته ليكون مستعداً للانصات والتفاهم. فنحن نطفئ النار قبل أن نشرع في تنظيف رمادها.
أشرت إليه ليشرب كأس الماء التي أمامه فلما فعل قلت:
معك حق في كل ما قلت، لكن قبل أن تحكم على الطرف الآخر بالأنانية وتصفه بتبلد المشاعر واللامبالاة اسأل نفسك أولاً ما الذي أجج نار الفتنة بينكما؟ ما الذي حدث لتصلا إلى هذه المرحلة؟ يا صديقي أنت قلت بنفسك أن حياتكما كانت هانئة طيلة الشهور الأولى من الزواج، فلماذا تعكر صفوكما؟ فكر قليلاً قبل أن تجيب.
لأول مرة منذ أن جلسنا ألحظ التغير في ملامحه إلى الأحسن، أحسست أن سؤالي نزل عليه كالماء البارد في يومٍ شديد الحر، فلاقى قبولاً في نفسه وبدأ بالفعل يبحث عن إجابةٍ منطقيةٍ له، لكنني آثرت أن أتابع حديثي فأجبتُ نيابةً عنه:
السبب في رأيي أنكما صنعتما من حياتكما معركة دون أن تدريان. ظن كل واحدٍ منكما أنه صاحب الحق وأن الآخر هو الجاني عليه، تختلفان في التافه من الأمور فلا يلبث النقاش أن يتحول إلى شجار وينقلب البيت إلى ساحة قتال، غاية كل طرف فيها أن ينتصر على غريمه ولو داس في سبيل ذلك على كرامته ومشاعره وحقوقه، وكثُرَتْ الخلافات فكَثُرت معها المعارك الكلامية والخناقات التي لا طائل منها سوى أن يشعر كل واحد منكما أنه انتصر، حتى استحال عشكما الهادئ جحيماً فقتلتما المودة والرحمة وكل المعاني الطيبة التي أوصى بها الله عز وجل. فهل لذلك شُرِع الزواج؟ هل لذلك تُنشأ الأسر و تُبنى البيوت؟ هل غاية الزواج اندلاع المعارك وحشد الحجج والشكاوى ليبدو الشريك منتصراً على شريكه؟ لا والله! كان بلاها زواج من البداية!!!.
نظر إلي صديقي في إعجاب وقد بلغتُ الذروة من حديثي لكن لم يلبث إعجابه أن استحال حيرةً وارتباكاً فهتف مستغيثاً:
وما العمل؟
ابتسمتُ راضياً لإنني لمحتُ اقتناعه واعترافه على الأقل بأنه شريكٌ في الخطأ، وشعرت بانفتاح عقله وقلبه ليسمع النصيحة وهذه أولى خطوات حل أي مشكلة. فمددت يدي وتناولت فنجان القهوة وجعلت أرشف بتلذذ ثم قلتُ له:
يا حسني .. يقول الله عز وجل: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً”، يعني يا حبيبي إحدى أهم غايات الزواج السكن والسكينة والهدوء والاستقرار والتراحم، ولا يحدث ذلك إلا في وجود السلام، وأنتما قلبتما حياتكما إلى حرب، فكيف ستجدان السكينة؟! الرحمة بين الزوجين هي التفسير العملي للحب، وثمرتها عظيمة، فلماذا لا يرحم الزوجان بعضهما؟
يا حسني .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم “كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته” والمسئولية ليست في توفير الطعام والشراب فقط، بل في توفير وتحقيق الأمن والأمان والراحة والاستقرار، أنت مسئول أمام الله عن زوجتك وعيالك ألّا تُدخل إلى قلوبهم خوفاً أو رهبةً أو قلقاً أو إحساساً باليأس. بالعقل يعني .. من أَولى بالرقة والطيبة والعذر من الزوج أو الزوجة؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول أيضاً “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، فلتكن خيراً لأهلك كما وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يا حسني .. الحياة صعبة وشاقة في كل أطوارها وعلى كل أشكالها، ولايهونها إلا الكلمة الحلوة، والنظرة الحنونة، والدعوة الطيبة، ولإنكما تتشاجران صباح مساء زادت مشقة حياتكما حتى بلغت حداً شعر كل واحد منكما فيه بالظلم والقهر واليأس. لقد خلقنا الله لنسعد فابحث عن كل ما يسعدك وزوجك وافعله، إذا كان الهدوء يسعد قلبيكما فلا تتصايحان، إن كان المشي يسليكما فاخرجا معاً كل أسبوع، إذا وجدتما السعادة في العبادة أو القراءة أو المطبخ أو مشاهدة مسلسل فلا تترددا أن تتشاركا تلك الأوقات. ابحثا يا صديقي عن دواعي السعادة واملآ بها حياتكما. تفاهما يا حسني، ولا تتخاصما، فأنتما فريق واحد لا فريقان، أنتما نفس واحدة لا عدوان، تفاهما يا حسني فالحياة أبسط من أن تعقدوها بالمشاكل والعمر أقصر من أن تضيعوه في الخصام والهجر. وإذا أردت ملخصاً لذلك في جملة واحدة: فاجعل حياتك واحة تملؤها المودة والرحمة، فإذا فعلت ذلك انقلب العيش طاقة أمل لا طاقة ألم!!
وفي هذه اللحظة انفرجت اسارير صاحبي وشعرت بأنه ود لو يطوقني بذراعه ويقبلني لولا أننا في مكانٍ عام، فاكتفى بأنه أقسم على أن يحاسب على المشاريب.
_تمت_














