بقلم ✍️ مدحت الشيخ
(باحث في الشؤون السياسية والاجتماعية)
لم تكن مصر في أي مرحلة من مراحل التاريخ دولة عابرة أو قوة معزولة، بل كانت دائمًا الدرع الواقية للأمة العربية، والسند الذي تلجأ إليه الشعوب كلما اشتدت الأزمات وتوالت التحديات.
وإذا كان المؤرخون قد وصفوا مصر بأنها “هبة النيل”، فإن العرب يعرفونها على الدوام باعتبارها “حصن الأمة“، القادرة على حماية الأرض والدفاع عن الهوية.
منذ فجر الحضارة، تصدّت مصر للغزاة وحافظت على كيانها المستقل، لتصبح نموذجًا للقوة والصمود. فبقيادة أحمس، طُرد الهكسوس من البلاد، وأُسست أول تجربة وطنية عربية في مقاومة الاحتلال. ثم جاءت مواجهة الحملات الصليبية على أرضها، لتثبت مجددًا أن مصر لا تحمي حدودها فحسب، بل تدافع عن الشرق بأسره.
وفي عين جالوت، كان النصر الذي أوقف زحف المغول، وأعاد التوازن إلى المنطقة، انتصارًا مصريًا عربيًا فارقًا في مسار التاريخ.
وفي العصر الحديث، لعبت مصر دورًا محوريًا في قيادة حركات التحرر الوطني بالمنطقة. فثورة 1919 ألهمت شعوبًا عربية عديدة في معاركها ضد الاستعمار، بينما فتحت ثورة يوليو 1952 الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقلال الوطني، وأطلقت مشروعًا قوميًا حاول أن يجمع العرب حول رؤية مشتركة للمستقبل. لم تكن هذه التحولات مجرد أحداث محلية، بل كانت محطات رئيسية في مسيرة الأمة بأكملها.
وتبقى حرب أكتوبر 1973 علامة مضيئة على قدرة مصر على إعادة صياغة المشهد العربي ،فقد كان عبور القوات المسلحة المصرية قناة السويس حدثًا عسكريًا استثنائيًا، لكنه أيضًا كان انتصارًا نفسيًا ومعنويًا للأمة كلها، أنهى مرحلة الانكسار وأثبت أن الكرامة يمكن استعادتها بالتضحيات والإرادة.
لكن الحصن المصري لم يكن عسكريًا فقط، بل كان أيضًا ثقافيًا وفكريًا. فالأزهر الشريف ظل على مدار قرون طويلة منارة علمية وروحية، أسهمت في نشر قيم الوسطية والاعتدال في العالم العربي والإسلامي. ومن القاهرة خرجت رموز الأدب والفكر والفن التي صاغت وجدان العرب، ورسخت الهوية الثقافية المشتركة، لتؤكد أن القوة الناعمة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في حماية الأمة.
سياسيًا، لم تتأخر مصر عن دورها العربي. فمن رعاية القضية الفلسطينية منذ بداياتها، إلى محاولات رأب الصدع في السودان وليبيا واليمن، وصولًا إلى مبادراتها المستمرة من أجل وحدة الصف العربي، كانت القاهرة دائمًا حاضرة كبيت جامع للأشقاء. ولم يكن احتضان مقر جامعة الدول العربية سوى انعكاس طبيعي لمكانتها ودورها.
واليوم، في ظل عالم مضطرب تتشابك فيه الأزمات الإقليمية والدولية، تواصل مصر أداء رسالتها التاريخية. فهي تعمل على حماية استقرار المنطقة، وتسعى لفتح قنوات الحوار في الأزمات الكبرى، وتؤكد أن أمنها القومي لا ينفصل عن الأمن القومي العربي. وفي الوقت نفسه، تخوض معركة تنموية شاملة في الداخل، لتقوي بنيتها الاقتصادية والعسكرية، وتظل قادرة على القيام بدورها الإقليمي.
إن ما يميز مصر أنها لا تنظر إلى موقعها كميزة جغرافية فحسب، بل كمسؤولية تاريخية. ولذلك، فإنها تظل دائمًا في قلب العواصف، تواجه ولا تنعزل، تقود ولا تتراجع.
مصر، على مرّ التاريخ، هي الحصن الذي احتمى به العرب، وستبقى كذلك، تؤكد مع كل منعطف أن دورها لا يسقط بالتقادم، وأن رسالتها مستمرة جيلاً بعد جيل. إنها ببساطة الدولة التي إذا نهضت، نهضت معها الأمة.














