# من أول السطر
لا يأس مع أنفاس تتعلق بالحياة ،فقد أثلج تغير الموقف الدولي وتزايد موجة صحوة الضمير الدولي للاعتراف بفلسطين وحق شعبها المناضل في دولة ووطن حر ،أثلج صدور قوم مؤمنين آمنوا بأن الحق يوما سينتصر وأن دماء الشهداء لن تذهب هباء.
لقد تصدر مشهد المؤيدين لدول فلسطين عدد من دول المعسكر الغربي،التي أسهمت عبر سنوات في ضياع القضية وتشريد أبناء فلسطين ،وعلي رأسها إنجلترا صاحبة وعد بلفور المشؤوم 2 نوفمبر عام 1917 ،والذي أسس لدول الاحتلال وللكيان الصهيوني الغاصب.
كما أن هذه الدول إلتزمت الصمت تارة وحملت مواقفها وسياساتها الكثير والكثير من الريبة والتناقض تارة والتواطؤ تارة أخرى ،والعشرات من علامات الاستفهام في أحيان أخرى.
ووفقا لآخر الإحصائيات فقد اعلنت 157 دولة من بين 193 دولة حول العالم تأييدها واعترافها بدولة فلسطين..
وقبل انعقاد الجمعية العامة، كانت معظم دول الأمم المتحدة قد اعترفت بالفعل بدولة فلسطين، التي تصنف حاليًا باعتبارها “دولة مراقب” غير عضو في المنظمة.
وقد تجسد الموقف الدولي اليوم الجمعة في مشهد تابعه العالم ،بعد انسحاب غالبية الوفود الرسمية، من مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة، فور صعود رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، نتنياهو “مجرم الحرب الهارب من العدالة” على المنصة لإلقاء كلمته ،وظل يخاطب مقاعد فارغة لا تعبر إلا قليل من المناصرين!.
وفي سياق الدعم الدولي اعتبر الكرملين حل الدولتين السبيل الوحيد لتسوية الصراع ، وأعلن أن روسيا لا تزال تعتقد أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتسوية الصراع في الشرق الأوسط، وذلك ردا على سؤال حول قرار بعض الدول الغربية الاعتراف بدولة فلسطينية.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف : “نظل ملتزمين بالقرارات الأساسية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ونظل ملتزمين بالموقف الدولي بشأن إمكانية حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين”.
وتابع : “ويظل هذا نهجنا، ونعتقد أنه السبيل الوحيد الممكن لإيجاد حل لهذا الصراع طويل الأمد والمعقد للغاية، الذي ربما يمر الآن بأكثر مراحله حدة ومأساوية”.
وقد جن جنون قادة عصابات الاحتلال الصهيوني من هذا الدعم الدولي لقيام دولة فلسطينية مستقلة لدرجة دعوتهم إلى احتلال الضفة الغربية بكاملها وإعادة احتلال قطاع غزة ولدرجة أن “بن غفير” وزير الأمن الداخلي قال أنه لو كان في منصب رئيس الوزراء لقام باعتقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتفكيك السلطة الفلسطينية.
وانطلاقا من مواقف معظم دول الغرب السابقة يشكك البعض في حقيقة صدق النوايا تجاه القضية الفلسطينية ،وأن الاعتراف قد يكون مجرد وسيلة لمناهضة الولايات المتحدة الداعم الأكبر لإسرائيل ،ومجرد وسيلة لحفظ ماء الوجه والتغطية علي سياستها الاستعمارية ومسانداتها المعنوية والمادية عبر سنوات طويلة للكيان الصهيوني..
كما يري بعض المحللين أن الاعترافات المتتالية من الغرب بالدولة الفلسطينية ليست سوى “حيلة مفضوحة” للتغطية على دعمهم لجرائم الاحتلال التي فاقت كل حدود العقل ،وقواعد الحرب العادلة، وعلي الفظائع التي تشهدها غزة، والتي تضمنت سياسات التجويع الممنهج والتهجير القسري وطمس الهوية وقتل روح المقاومة!.
وعلي الجانب الآخر يري معسكر الرفض وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية أن هذه الاعترافات مجرد “حبر على ورق” ولا قيمة لها ..
وجاء علي لسان وزير خارجية أميركا أن اعتراف دول غربية بدولة فلسطينية سيحظى ببعض الاهتمام لكن لا وجود لهذه الدولة، ولا قيمة لهذه الإعترافات!.
وعلاوة على هذا الحشد الدولي جاء اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا لإعلان نيويورك بشأن تسوية القضية وتنفيذ حل الدولتين بأغلبية ساحقة وصلت إلى 142 دولة، تحولا جوهريا في مسار القضية الفلسطينية ورسالة حاسمة إلى العالم بأن العدالة للشعب الفلسطيني لم تعد خيارا ثانويا أو ورقة تفاوضية، بل استحقاقا لا يقبل التأجيل أو المساومة.
ووفقا للمحللين فقد عكس القرار إرادة دولية متنامية ترفض استمرار الاحتلال وتؤمن بحق الفلسطينيين المشروع في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
كما وضع التصويت الكاسح إسرائيل في عزلة سياسية غير مسبوقة، حيث لم تتجاوز الدول المعارضة للقرار عشر دول فقط، وهو ما يكشف هشاشة الموقف الإسرائيلي وحلفائه مقارنة بالزخم العالمي المؤيد للحق الفلسطيني .
وربما يؤتي هذا الموقف الأممي ثماره المرجوه ويمثل ضغطا متزايدا على تل أبيب للالتزام بالشرعية الدولية ،ووقف ممارساتها القائمة على الاستيطان وتهويد الأراضي، خاصة في ظل تصاعد الغضب الدولي من سياساتها العدوانية.
إن إعلان نيويورك ونتائج اجتماع رؤساء الدول العربية والإسلامية مع ترامب علي هامش اجتماعات الأمم المتحدة يمثل فرصة ذهبية لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي بعد سنوات من التهميش ومحاولات طمس الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
إن أهمية هذا التطور في الموقف الأممي ،تتجاوز رمزيته السياسية، إذ يمكن اعتباره قاعدة صلبة لإطلاق مفاوضات جادة تحت مظلة دولية متعددة الأطراف، بعيدا عن الرعاية الأحادية التي أثبتت فشلها كما دعا القوى الدولية والإقليمية إلى تحمل مسؤولياتها في تحويل هذا التوجه إلى خطوات عملية ملموسة تبدأ بوقف الانتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وتهيئة المناخ لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967.
ومابين اختلاف الرؤي حول حقيقة المواقف والنوايا والقناعات ،وما بين التوجس والتفاؤل الحذر بتغير الموقف الأممي، بما أعلنته دول غربية فاعلة ،فإن موجة الاعترافات المتزايدة تحمل الكثير من الدلالات والمعاني والإشارات،من اللائق أن نناقشها في السطور التالية ..
أولي تلك الدلالات تحقيق انتصار معنوي مستحق للشعب الفلسطيني المناضل، وطمأنينته أنه يسير علي الاتجاه الصحيح رغم التحديات والمآسي التي تحاصره ليلا ونهارا.
ومن المكاسب الوجدانية تعزيز قناعة العالم بقضيته وحقه في الحياة الآمنة كسائر البشر ،ونجاح رواية الحقيقة وسردية الصمود الأبدي والمقاومة العادلة ،في مواجهة أراجيف وسرديات الكيان الصهيوني فاسدة المنطق والحجة والأهداف.
ومن أهم الدلالات محورية الدور المصري شعبا وقيادة ، وكما عهدنا أرض الكنانة كعادتها في مقدمة الصفوف، كانت ولا تزال حجر الزاوية في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ودعم حل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق سلام واستقرار مستدام في المنطقة ، فلم تدخر القاهرة جهدا في دعم كل المبادرات الجادة الساعية إلى تسوية عادلة وشاملة.
وقد أفلحت الدبلوماسية المصرية منذ اندلاع حرب غزة ،وعبر سنوات طويلة من قبلها في إبقاء القضية الفلسطينية في دائرة الضوء والاهتمام كأولوية أولي واعتبارها قضية العرب الأولي وإقناع دول العالم قاطبة بضرورة اتخاذ مواقف فاعلة نحو إقرار تسوية عادلة ،وإقرار حل الدولتين كخطوة أولى مهمة واساسية لإحلال السلام في الشرق الأوسط.
كما أشادت دول العالم شرقا وغربا بحنكة وصلابة موقف مصر،وبكل ما أوتيت من قوة ،ورفضها القاطع لمخططات التهجير القسري لأهل غزة وتفريغ القطاع ، رغم ما واجهته من تحديات وضغوط مباشرة وغير مباشرة لتغيير نهجها ،مما جعل الكثير من دول العالم تعيد التفكير جليا نحو مراجعة مواقفها ،وإدراك كافة أبعاد وتداعيات الأحداث بين الأمس واليوم.
ومن الدلالات المهمة سقوط وهم الغطرسة والهيمنة الأمريكية غير المحدودة علي مصائر أبناء المعمورة ،بما تملكه من آليات ونفوذ وحق “الفيتو” أمام مجلس الأمن، الذي استخدمته ربما عشرات المرات لإجهاض أية توجهات دولية لإدانة إسرائيل وممارساتها القمعية عبر مختلف مراحل الصراع العربي الإسرائيلي.
ومن المكاسب الشعور العام لدي شعوب العالم ببصيص الأمل،وكأن هناك استفاقة أممية ضد الصلف والتعنت الأمريكي ، وربما تمهيد لتغيير شامل في النظام العالمي الجديد.
ومن الإشارات المهمة محورية القضية الفلسطينية في الصراع الحضاري بين الغرب والدول العربية،والذي اتخذها ورقة طوال الوقت للضغط علي الكيانات العربية لضمان تحقيق مصالحه، ،وتعزيز طموحاته النفعية واستنزاف الطاقات والثروات،وتلك حقيقة لا ينكرها إلا كل مريض أومغرض ومرجف.
ومن الدلالات أيضا أن الكثير من دول العالم ودول الغرب قد سئمت السير المطلق والتبعية المهينة لأمريكا..
وجاءت اعترافات دول كالمملكة المتحدة وفرنسا وكندا واستراليا والبرتغال،وأسبانيا وغيرها رسالة مباشرة للولايات المتحدة ،من دول تحتفظ لنفسها بقليل من الضمير الانساني وشيء من الكرامة ،ويمكنها أن تقول للولايات المتحدة “لا”!.
ويبقي العالم علي حافة الهاوية لو تنازل عن هويته وقيمه وإنسانينته، ومها طال الزمن وكثرت التحديات تنتصر لا محالة إرادة الحق والعدل ،ولو كره الكارهون ،وتحدث المرجفون..
فأبشري ياغزة فمن بين عظيم المحن يولد الأمل ،ويشرق الفجر من جديد بعد غروب دامس وليل طويل ،تمهيد لنصر الله المؤزر وكان وعدا مفعولا بإذنه تعالي، وهو القائل :(والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) صدق الله العظيم.
#-














