بقلم: ✍️ د.خلود محمود
(مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية )
»» حروب السرد، كيف تشكل الحرب الإعلامية مصير المجتمع العربي؟.
إن التاريخ هو تسجيل ورصد لتسلسل الأحداث الماضية التي شكلت الحضارات والإنسانية ،ككل ومن ثم سردها علي الاجيال الحديثة ليبنوا عليها ماهو أت ويعلموا عن عظمة ما مضي وما فعله اجدادهم .
وفي قلب الصراعات المعاصرة، لم تعد الحرب تدور حول ساحات المعارك التقليدية وحدها، بل تحولت إلى معركة وجودية أعمق وأكثر تعقيدًا ، معركة السرد إنها الحرب التي تُخاض في عقل الإنسان وجماعيته، حيث أصبح التحكم في الرواية الإعلامية هو الغنيمة الأثمن والسلاح الأقوى للدول .
فمن يملك حقبة زمنية ليس من يملك القوة فحسب، بل من يمتلك القدرة على صياغة روايتها، وحفر تفسيراته في ذاكرة الأمم والأجيال القادمة وفي هذا المشهد، يجد المجتمع العربي نفسه في بؤرة هذه العاصفة، حيث تتقاطع حرب السرديات العالمية مع مكامن ضعفه وقوته، لتصيغ وعيه وهويته ومستقبله في وقت واحد، هنا حيث تذوب الحدود بين الحقيقة والرواية، تبرز معركة الوجود الثقافي والفكري كأشرس حروب العصر ، أنها لا تعمل أي الحرب الإعلامية كقذيفة موحدة التأثير، بل كشظية تتفجر في جسم المجتمع لتحدث أضراراً متباينة وعميقة على مستويات عدة..
أولها على مستوى الهوية والتماسك الاجتماعي فتهدف أشرس السرديات إلى تفكيك الروابط الوطنية والقومية وتمزيق النسيج الاجتماعي، عبر استغلال التنوع الديني والطائفي والإثني وتصعيده من حالة “اختلاف” طبيعي إلى “عداء” وجودي فيتم تحويل “الآخر” السياسي أو الفكري إلى “عدو” داخلي يجب اجتثاثه ، مثل الحرب الأهلية في سوريا واليمن. فلم تكن المعارك العسكرية هي الوحيدة التي حسمت المصائر، بل كانت المعركة الإعلامية الموازية، حيث عملت أطراف خارجية وداخلية على تأجيج الصراع الطائفي (سُنّي/علوي في سوريا، سُنّي/شيعي في اليمن) عبر قنوات ووسائل متحيزة ، لقد حوّلت هذه السرديات الصراع المعقد، ذا الجذور السياسية والاقتصادية، إلى حرب هويات طائفية بحتة، جعلت المصالحة الوطنية مهمة شبه مستحيلة، لأنها زرعت رواسب كراهية متجذرة في وعي الناس، ستستغرق أجيالاً لمحوها.
أما ثانيها فعلى مستوى الثقة بالمؤسسات والدولة أن الإستراتيجية المركزية لحرب السرد هي نسف شرعية المؤسسات القائمة، سواء كانت حكومات، أحزاباً، أو حتى المرجعيات الدينية والثقافية التقليدية فيتم استخدام فضائح حقيقية أو مفتعلة وتضخيمها لتكريس سردية واحدة: “لا أحد جدير بالثقة” مثل الفوضى الإعلامية في ليبيا والعراق بعد التدخلات الدولية مما أدى إلي انهيار النظام المركزي في فضاء إعلامي مُتجزئ يعمل كبوق للميليشيات والأجندات الخارجية وكل جماعة لها قناتها الخاصة التي تقدم “الحقيقة” المطلقة التي تخدم مصلحتها، بينما تُشيطن كل صوت آخر وهذه العملية لا تؤدي فقط إلى انعدام الثقة بين المواطن ودولته، بل تؤسس لولاءات ما قبل الوطنية (للعشيرة، الطائفة، الميليشيا)، مما يُعيق بشكل كارثي بناء دولة موحدة ومؤسسات مستقرة.
أما ثالثها فعلى مستوى تشويه الوعي الجمعي وتغيير الأولويات وتعمل السرديات المُعدة مسبقاً على تحويل انتباه الرأي العام العربي عن قضاياه المصيرية المركزية (كالتنمية، التعليم، الاستقلال) إلى قضايا هامشية أو خلافية يتم تضخيمها لإشغال المجتمع بمعارك وهمية تُستخدم فيها آلة الإعلام لخلق “أعداء” وهميين أو لتصدير أزمات مجتمعات أخرى إلى الساحة العربية ، مثل تعميق الانقسامات حول القضايا الثقافية والاجتماعية التي تدفع بعض السرديات الخارجية بنمط حياة متطرف (فردي أو ديني) على أنه “البديل الوحيد” للمجتمع العربي، مما يثير حروباً ثقافية داخلية حول قيم الأسرة، دور المرأة، والفنون هذه المعارك، رغم أهميتها النسبية، تُستغل لشغل النخب والشعوب عن القضايا الجيوسياسية الكبرى والتبعية الاقتصادية التي تمسك بخناق الأمة.
ورابعا كان على مستوى التطرف والعنف أن أكثر التأثيرات فجاجة هي تحويل الخطاب الإعلامي إلى آلة لتجنيد الشباب ودفعهم نحو التطرف عبر استغلال المظالم الحقيقية كالفقر والاضطهاد وتوجيه غضبها نحو “عدو” مُعّين (طائفة، دين، حضارة)، تُخلق سردية تبسيطية تقدم العنف كـ”فريضة” و”حل وحيد” مثل تنظيم “داعش” واستغلاله للإعلام لم يكن “داعش” تنظيماً عسكرياً فحسب، بل كان مشروعاً إعلامياً بامتياز استخدم وسائل التواصل والقنوات لبث سردية “الدولة” و”الخلافة” و”نهاية العالم” لجذب المقاتلين من جميع أنحاء العالم قدم عنفه الوحشي على أنه “قوة” و”تطهير”، مما خلق موجة من التطرف لا تزال آثارها مستمرة.
إن الحرب الإعلامية ليست ظاهرة عابرة، بل هي التحول الجذري في طبيعة الصراع ذاته، حيث أصبحت الهزيمة في معركة السرد أعمق أثراً من هزيمة الميدان. والمجتمع العربي، بتراثه الحضاري وثقافته الثرية ووعيه المتصاعد، أمام تحدٍ مصيري يتطلب أكثر من مجرد رد فعل ، إنه أمام ضرورة بناء استراتيجية وجود شاملة استراتيجية تقوم على تأسيس منصات سيادية فكرية وإعلامية قادرة على إنتاج روايتها الخاصة، وقادرة على حماية الفضاء الثقافي العربي من الغزو السردي، وقادرة فوق ذلك كله على تحويل الجمهور من متلقٍ سلبي إلى ناقد فاعل ومنتج لخطابه.
إن الانتصار في هذه الحرب لا يقاس بالقدرة على إسكات الآخر، بل بالاقتدار على إسماع الذات، ليس بالتلاعب بالوعي بل بتنميته أن المستقبل سيكون بلا أدنى شك للحضارات التي تدرك أن سلطة السرد هي سلطة المصير وأنها ليست معركة على الماضي بل هي معركة تأسيس المستقبل ووعي المجتمع العربي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى بل هو السلاح الأول في معركة البقاء والنهضة.














