الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية التاريخي، اسم ارتبط في وجدان الوسط الفني بصفته السند والملاذ، رجل لم يعرف الراحة منذ أن حمل أعباء نقابة المهن التمثيلية. سنوات طويلة ظل صوته حاضرا في كل أزمة، ووجهه مألوفا في قاعات العزاء والمستشفيات ودوائر الوزارات، حتى صار تواجده مرادفا لهيبة النقابة ودفء البيت الذي يجتمع فيه الفنانون.
جاء اعتذاره الأخير عن الاستمرار كصرخة تعبر عن حجم الضغوط المحيطة به. ملفات ثقيلة تتزاحم فوق أكتافه: قلة الموارد المادية، شكاوى مهنية واجتماعية، مطالب علاجية ومعاشية، وانتقادات لا تهدأ. مسؤوليات تنوء بها مؤسسات بأكملها، فما بالك برجل واحد يقف وحيدا أمام طوفان يومي متجدد.
سارع مجلس النقابة إلى إصدار بيان واضح أكد فيه بالإجماع رفض الاستقالة وجدد ثقته الكاملة. البيان بدا ميثاق دعم؛ إقرار بأن غياب أشرف زكي سيترك فراغا يصعب سده في هذه المرحلة الدقيقة. الموقف لم يقتصر على صيغة رسمية، هو شعور جماعي بأن النقابة في عهده تحولت إلى كيان حي يتكئ على عمود له قيمته الرمزية والعملية.
ردود الفعل وسعت المشهد؛ رسائل الفنانين والجمهور عبرت عن إدراك أن الأمر يتجاوز منصبا محددا إلى تاريخ وحضور إنساني لا يُعوض. نقيب يزور المرضى، يدخل بيوت الحزانى، يتابع مصالح الزملاء لدى الجهات الرسمية، ويحمل همومهم كأنها همه الشخصي. صورته قائد وهب نفسه للخدمة، يعيش تفاصيل المهنة كقدر يومي.
خلف هذا الحضور يبرز السؤال الحيوي: كيف نحمي النقابة من أن تبقى عبئا على فرد مهما بلغت قوته؟ أشرف زكي نفسه أعلن رغبته في مرحلة جديدة مبنية على آليات مؤسسية توزع المسؤوليات بعدالة، وتُنشئ دورا جماعيا قادرا على الاستمرار دون إجهاض صاحب القيادة. هذا الوعي يؤكد أن القيادة تُقاس بخريطة عمل دائمة لا بقدرة الاحتمال الفردي فحسب.
المشهد يكشف حقيقتين متوازيتين الحاجة إلى النقيب التاريخي في الحاضر، والحاجة إلى مؤسسة قوية في المستقبل. الاعتذار كشف الضغوط، والبيان أكد الثقة. بينهما يبرز حلم البناء المؤسسي كأولوية لا تحتمل التأجيل. المسؤولية في زمن الأزمات لا تُختصر بمنصب واحد، بل تُختبر بقدرة الجماعة على تحويل التضحية الفردية إلى منظومة راسخة تحفظ تاريخ النقابة وتضمن مستقبلها.
في هذا المضمار يبقى أشرف زكي رمزا لنقابة لم تعرف الراحة، وقائدا يسعى لأن يجعل من تجربته درسا وبداية لبناء مؤسسي يعفي الأفراد من الإنهاك ويصون البيت الكبير الذي يجمع المبدعين.














