ما أعظمَ الفاجعة حين يكون الغشّ في القلوب! فإنّ غشّ الجوارح مهما عظم أمره يظلّ أهون، وغشّ البيع والشراء مهما خَسِرَ المرء فيه يُعوَّض أثره، إذ المال يُسترجع، والمتاع يُستبدل، أمّا القلب إذا غُشّ فجرحه لا يلتئم، وكسره لا يُجبر، وألمه لا يُنسى، إذ هو جرحٌ يظلّ نازفًا ما دام صاحبه على قيد الحياة.
إنّ الذي يُبتاع في السوق من سلعةٍ مغشوشة قد يردّها صاحبها أو يستبدلها بأخرى، فيعود بالمال أو يرضى بخسارة يسيرة. أمّا الذي يُبتاع في ميادين العاطفة من وعدٍ كاذب أو محبّةٍ مدّعاة، فذلك لا يُستبدل، بل يترك في أعماق النفس ندبةً لا يمحوها تعاقب الأيام، ولا تزيلها دموع السنين. ندبةٌ تذكّر القلب كلّما خفق أنّه كان يومًا مرتعًا لخيانة، وأنّ الطمأنينة التي أُهدرت لن تعود.
غشّ القلوب يا صاحبة القلب النقيّ، ليس معاملةً خاسرة فحسب، بل هو خيانةٌ للروح، وقتلٌ خفيّ للأمل. إنّه سهم مسموم يُصوَّب من أقرب الناس، فيصيب بلا رحمة، ويجرح بلا إنذار، ويترك صاحبه يتيه في متاهات من الشكّ والخوف. وما أقسى أن يشكّ المرء بعده في كل صدق، وأن يرتاب في كل ودّ، وأن يغدو قلبه قفرًا بعدما كان جنّة!
ولقد صدق من قال: “من غشّنا فليس منّا”. وما أعظم هذه الكلمة! فإنّها ليست وعيدًا فحسب، بل عزلٌ من صفّ الإنسانية الرحيمة، وإقصاءٌ عن ساحة الصادقين، وإعلانٌ صريح أنّ الغشّاش قد خلع نفسه من إنسانيته قبل أن يُعزل عن أمّته.
أيّ قلبٍ هذا الذي يهنأ بالغشّ؟ وأيّ عينٍ تلك التي تنام على وسادة من خيانة؟ كيف يضحك من باع قلبًا آمن به؟ وكيف يزهو من كسر نفسًا صدّقته؟ إنّ الغشّ في الأسواق يذهب بالمال، أمّا الغشّ في العواطف فيذهب بالثقة، والفرق بين المال والثقة كالفرق بين الجسد والروح؛ فإنّ الجسد قد يبرأ، وأمّا الروح إذا جُرحت فلا برء لها.
إنّ الله سائله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون: بأيّ ذنبٍ خذلت قلبًا آمن بك؟ وبأيّ جرمٍ كسرت نفسًا صدّقتك؟ وبأيّ حقّ زرعت الشوك في طريق من فرش لك الورود؟ وسيعلم حينها أنّ ذنبه ليس كسائر الذنوب، فهو لم يسرق مالًا يردّه، ولا خان عقدًا مكتوبًا يعوّضه، بل خان قلبًا، وكذب على روحٍ، وغشّ إنسانًا في أثمن ما يملك: الطمأنينة.
فيا ويح قلوب غُشّت، ويا سعد قلوب صدقت. ويا ويل امرئ جعل الغشّ ديدنه، فإنّ الله لا يُبارك في عمرٍ بُني على الكذب، ولا يرفع شأنًا تلطّخ بالغدر. وما الحياة بلا صدقٍ إلا قفرٌ جافّ، وما القلوب إذا خلت من الوفاء إلا مقابر لا تنبت فيها زهرة.
اللهم لا تجعلنا من الغاشّين، ولا تبتلينا بخيانتهم، واجعلنا ممن إذا أحبّ صدق، وإذا وعد وفى، وإذا عاهد ثبت. واجعلنا من الذين يتركون في قلوب الناس أثرًا جميلاً لا ندبةً موجعة، وسيرةً طيبة لا ذكرى مُرّة، ليبقى العمر شاهدًا أنّ القلوب الصادقة لا تموت، وأنّ الغشّ وإن عاش لحظةً، فإنّه يموت بعاره إلى الأبد.














