ويتجدد اللقاء مع المعين الصافي لإبداعات أدباء ومواهب أبناء أرض الكنانة وفي هذه السطور تنشر بوابة الجمهورية والمساء أون لاين قصة قصيرة للموهبة الأدبية الشابة جومانة فرج ..والتي وسمتها بعنوان: “تحلل المشاعر”
جومانة تخطو بثبات في دنيا القصة، وتجيد فن البناء القصصي الرصين .
🍂
تحلل المشاعر
أنا لا أشعر.
لا أشعر بالخوف ولا بالقلق.
لا أشعر بالحزن أو السعادة.
لا أشعر بأي شيء.
أيامي متشابهة… مكوثي على الفِراش كل صباح بعد رنات المنبّه المتكرّرة لثلاث ساعات متواصلة؛ أفكّر فيها: هل أستيقظ أم لا؟
أظنّ أنّي حتى لم أعد أنام.
لم أعد أرى أيّ أحلام، لا ضباب ولا طباشير الألوان التي تتكوّن بمجرد أن تغمض عينك.
عدت أواجه ما ادّعيتُ أنّي نسيته.
تحكّمتُ بأحلامي مراراً وتكراراً. بدا ذلك لي أسهل من التحكم في واقعي.
كلّ شيء حولي يتذبذب: أفكاري… مشاعري… رغبتي في العيش.
لماذا أنا هنا؟ ما الفائدة من فعل أيّ شيء؟ كيف تكون الرغبة بالعيش؟ هل الناس يشعرون بهذا؟!
ها أنا أتناول فطوري المعتاد، وفي نفس اللحظة أكتشف أنّ العصر قد أذن؛ وهذا يعني أنّ مِيعاد عملي قد مضى… فقدتُ وظيفة أخرى.
لست متفاجئاً — هذه المرّة الثالثة عشر التي أفوّت فيها ميعاد وظيفة لم أسعَ للبحث عنها حتى، ولم أجتهد في أن أجربها.
في الواقع، لا يحرك هذا بي أيّ ذرة؛ ليس بشيءٍ يبعثر دواخلي.
قرّرت أن أتمشّى قليلاً لعلّي ألقى ما يهزّني.
فكلّ ما وجدته هو انعكاس وجهي الرمادي في بركة صغيرة من ماء تكونت بفعل الأمطار.
أليس الصيف؟ ربما الخريف؟ بأي فصل أنا… لست أدري؛ فكلّ شيء حولي يبدو رمادياً تماماً كَالون وجهي وقرنيتي التي داعب الأزرق أطرافها لينبّهها أنّها على وشك فقدان حاسة البصر قريباً… يا للسخرية! كما لو أنّ هذا سيغيّر شيئاً. لعلّ رؤيتي للظلام بعد اليوم هو كلّ ما تمنّيته يوماً: بلا صوت، بلا لون، بلا طعم.
تابع جسدي السير نحو ما يسمونه بأعلى التل… وهناك استلقيت — ربما ارتطم ظهري بالأرض، بمعنى أدق.
أنظر إلى الأعلى: الفلك الواسع… والعالم حولي يدور ويدور… والنجوم يزداد لمعانها… والرياح تخدش أطرافي بشدّتها وبرودتها… في دائرة لا بداية لها ولا نهاية.
ظلّ كلّ شيء يدور حتى تبللت بقاع البحر وامتلأت رئتاي بالماء. لتكون تلك المرّة الأولى التي شعرت فيها بشيء. تشكّلت الابتسامة ببطء على وجهي، وجسدي يصارع ولكنّي أوقفتُه وتركتُ الماء يغذي ما تبقّى مني.
ليكن آخر ما شعرتُ به يوماً: الألم والرغبة في التنفّس لآخر مرّة — حتى لم أعد أتنفّس.
واليوم… أنا أشعر مجدداً.














