السن مجرد رقم… كلمة تتردد على الألسنة كأنها نسمة عابرة، ولكنها في حقيقتها بحر عميق، لا يغوص في معانيه إلا من جرب أن يعيش بروح لا تهرم. إن العمر ليس في عقارب ساعة تتقدم، ولا في أوراق تقويم تتمزق، بل هو في قلب يخفق بالحب كزهرة ربيع تأبى أن تذبل، وفي روح نقية كجدول ماء لا يعرف العطش.
السن يصبح مجرد رقم، حين تبقى ابتسامتك كفجر يتجدد كل صباح، لا يعرف الغروب، وحين تظل عيناك نافذتين كعيون الأطفال، تنظران إلى الحياة بدهشة أولى، لا تكل ولا تمل. هو مجرد رقم، حين يكون قلبك كحديقة تفتح أبوابها للطيور، لا تزرع شوكا، ولا تمنع ظلا عن عابر سبيل.
إن الشيخوخة الحقيقية ليست في تجاعيد الوجه، بل في تجاعيد الروح؛ وليست في بياض الشعر، بل في سواد القلب إذا أثقل بالهموم. فكم من شاب يشيخ وهو في ريعان العشرين، لأنه حمل نفسه ما لا يحتمل من أحقاد، وكم من شيخ ظل فتيا وهو على أعتاب السبعين، لأنه عاش خفيف الروح، طاهر النية، كطائر يرفرف بجناحيه فوق غبار الدنيا.
العمر لا يقاس بالسنوات، بل يقاس بالنبضات. كل نبضة حب تعطيها للناس هي عمر يضاف إليك، وكل دمعة تمسحها من عين حزين هي زهرة تتفتح في بستانك. فإذا أردت أن تعرف عمرك الحقيقي، فلا تنظر في مرآة الجسد، بل انظر في مرآة القلوب التي أحبتك، والأرواح التي اطمأنت إليك.
إن السن، مهما طال، يتقزم أمام لحظة صدق، ويتلاشى أمام ساعة رضا. فما جدوى أن تعيش مئة عام وأنت أسير همك، غريب عن نفسك، ثقيل على من حولك؟ وما أروع أن تعيش ثلاثين أو أربعين عاما، ولكنك تترك خلفك أثرا طيبا، كعبير وردة يظل يفوح بعد أن ترحل.
فالسن مجرد رقم، إذا اخترت أن تظل كالنهار في تجدد نوره، وكالبحر في فيض عطائه، وكالنخلة في ثبات جذورها وكرم ثمارها. هو مجرد رقم، إذا أيقنت أن العمر لا يقاس بطول الطريق، بل بعمق الخطوة، ولا بكثرة الأيام، بل ببهجة اللحظة.
إن الحياة أقصر من أن نحمل على أكتافنا أثقال الناس وكلامهم، وأجمل من أن نضيعها في عد السنين. دع قلبك طفلا يلهو في حضن الأمل، ودع روحك طائرا يشدو على غصن الرجاء، عندها فقط ستكتشف أن العمر لا يشيخ، وأن السن ليس إلا رقما يكتب على ورق، بينما أنت تظل حيا في ذاكرة الحياة ما دامت روحك خضراء.














