بقلم ✍️ د. لمياء محسن ( دكتواره الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة)
لسنوات طويلة، قدّمت إسرائيل نفسها للعالم بوصفها “الضحية الأبدية“: ناجية من المحرقة، جزيرة ديمقراطية محاصرة في محيط من العداء، تبحث فقط عن الأمان والبقاء.
هذه السردية لم تكن مجرد رواية محلية، بل تحولت إلى خطاب عالمي تغذيه آلة إعلامية ودبلوماسية ضخمة، وتدعمه عواصم الغرب ،لكن صباح 7 أكتوبر 2023 كان نقطة التحول التي زلزلت هذه الصورة.
دخل الاعتداء الذي نفذته حركة حماس إلى الذاكرة العالمية بوصفه حدثًا صادمًا: مئات القتلى والمصابين من المدنيين الإسرائيليين واختطاف مئات آخرين. كانت تلك اللحظة الشرارة التي أطلقت فصلاً جديدًا من العنف الإقليمي، لكنها أيضًا شكلت نقطة تحول في الطريقة التي ينظر بها العالم إلى إسرائيل وصورتها الدولية.
منذ ذلك التاريخ تغيّرت موازين التعاطف، تحوّلت النزاعات القانونية والدبلوماسية إلى ساحات مواجهة جديدة، وتبدّلت كذلك لغة الإعلام الدولي والسياسة الخارجية لدى دول كانت حتى وقت قريب تقف إلى جانب إسرائيل.
الهجوم الدموي على جنوب إسرائيل وضعها في البداية في موقع التعاطف، لكن سرعان ما تحوّل المشهد مع صور آلاف الضحايا في غزة، وتقارير الأمم المتحدة، ومذكرات المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة إسرائيليين.
فجأة، لم تعد إسرائيل الضحية، بل صارت متهمة أمام الرأي العام العالمي، بينما يسقط قناعها الذي ارتدته لعقود.
انهيار السردية:-
1. تحول الرأي العام الدولي
o استطلاع مركز بيو (Pew Research, 2024) أظهر أن نسبة الأمريكيين الذين يرون إسرائيل بصورة سلبية ارتفعت إلى 53% مقارنة بـ42% فقط قبل عامين.
o أرقام جالوب (Gallup, 2024) أظهرت أن التعاطف مع إسرائيل بين الشباب الأمريكي (18-34 عامًا) هو الأدنى منذ بدء القياس قبل 25 عامًا. أكثر من نصف هذه الفئة صرّحت أن الحكومة الإسرائيلية “ذهبت بعيدًا” في عملياتها العسكرية.
o في أوروبا، صحيفة El País الإسبانية رصدت أن 68% من الشباب الإسبان باتوا يعتبرون إسرائيل دولة “معتدية وليست ضحية”.
2. القناع يسقط بلسان إسرائيلي
o صحف إسرائيلية مثل هآرتس كتبت صراحة أن “الحرب على غزة جعلت إسرائيل دولة منبوذة دوليًا أكثر من أي وقت مضى”.
o محللون إسرائيليون أقروا أن ما بعد 7 أكتوبر كشف هشاشة الداخل: انعدام الأمان رغم “أسطورة الجيش الذي لا يُقهر”، وفقدان الثقة بين المجتمع والقيادة السياسية.
3.المشهد القانوني والدبلوماسي
o في نوفمبر 2024، المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
هذه سابقة جعلت إسرائيل لأول مرة في قفص الاتهام الدولي.
o الجمعية العامة للأمم المتحدة شهدت تصويتات متزايدة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين، وألمانيا وإسبانيا وإيرلندا أعلنت خطوات نحو الاعتراف الرسمي، في مؤشر على أن الغرب بدأ يخفف قبضة الحماية السياسية عن إسرائيل.
o حتى يوم 27 سبتمبر 2025 (تاريخ كتابه هذا المقال) وصل عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين رسميًا إلى نحو 157 دولة عضو في الأمم المتحدة.
وخلال سبتمبر وحده شهد العالم موجة اعترافات جديدة من دول كبرى في الغرب؛ ففي 23 سبتمبر 2025 أعلنت المملكة المتحدة اعترافها الرسمي، تبعتها في اليوم نفسه كل من كندا وأستراليا، وهي خطوة غير مسبوقة لثلاث قوى غربية كبرى. وفي 21 سبتمبر 2025 اعترفت البرتغال بدولة فلسطين بشكل رسمي، بينما انضمت مالطا إلى القائمة في 22 سبتمبر2025 .
كما أعلنت كل من بلجيكا ولوكسمبورغ وأندورا وموناكو اعترافها في الفترة نفسها، ليصل العدد الإجمالي إلى أكثر من 150 دولة، بما يعكس تحولًا جذريًا في الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية
4.جيل “Z” وتغيير ميزان القوة.
o استطلاعات YouGov وIpsos أظهرت أن جيل Z في الولايات المتحدة وأوروبا هو الأكثر انتقادًا لإسرائيل والأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين.
o هؤلاء الشباب يقودون الحملات الرقمية على تيك توك وإنستجرام، حيث تجاوز هاشتاج “Free Palestine” مليارات المشاهدات، مقابل حضور ضعيف للرواية الإسرائيلية. بمعنى آخر: السلطة الأخلاقية والرمزية لم تعد بيد اللوبي التقليدي فقط، بل بيد جيل يصنع الرأي العام العالمي الجديد.
o هذا الجيل الذي سيجلس بعد عقد أو عقدين في مقاعد الحكم والإعلام وصناعة القرار.
وهنا تظهر الفجوة: بينما تحاول الحكومات الغربية الحفاظ على دعمها التقليدي لإسرائيل، تصطدم بوعي شعبي جديد يرفض تلك السردية.
أي أن الرأي العام الغربي لم يعد تلك الورقة المضمونة في يد إسرائيل.
*وقد كشف الدراسات الآتي:
1- جيل زد (Gen Z)
• نسبة التأييد لإسرائيل تراجعت من 42% عام 2020 إلى 28% عام 2025.
•هذا الانخفاض بمقدار 14 نقطة مئوية يمثل أسرع وتيرة تراجع بين جميع الأجيال.
•يدل ذلك على أن هذا الجيل يتبنى مواقف أكثر انتقادًا لإسرائيل، خاصة مع اعتماده على مصادر إعلامية بديلة ومنصات التواصل الاجتماعي.
2-جيل الألفية (Millennials)
•التأييد انخفض من 52% في 2020 إلى 41% في 2025.
•معدل التراجع: 11 نقطة مئوية.
•يوضح أن هذه الفئة العمرية، رغم نشأتها في ظل خطاب سياسي مؤيد لإسرائيل، بدأت تتحول تدريجيًا نحو الموقف النقدي.
3- جيل إكس (Gen X)
• التأييد انخفض من 60% عام 2020 إلى 50% عام 2025.
• التراجع بمقدار 10 نقاط مئوية، وهو أقل من جيل زد والألفي، لكنه يعكس اتجاهًا عامًا في تراجع الدعم.
4-جيل الطفرة (Boomers)
•بدأ بنسبة 68% في 2020 وانخفض إلى 60% في 2025.
•الانخفاض 8 نقاط مئوية فقط، مما يجعله الأبطأ في التغير.
•يدل على أن الجيل الأكبر سنًا ما زال متمسكًا بالسردية التقليدية التي ترى إسرائيل “حليفًا استراتيجيًا” و”ضحية دائمة”.
الخلاصة:
• جميع الأجيال شهدت انخفاضًا متواصلاً في مستويات التأييد لإسرائيل خلال الفترة 2020-2025.
• جيل زد هو المحرك الأساسي لهذا التغيير؛ حيث تراجع دعمه بمعدل أكبر بنسبة 33% مقارنة ببداية الفترة.
• الفجوة بين الأجيال تتسع، بينما يحافظ جيل الطفرة على دعم مرتفع نسبيًا، تتجه الأجيال الأصغر نحو إعادة صياغة الموقف الأخلاقي والسياسي من إسرائيل.
• التحول الديموغرافي المستقبلي يشير إلى أن مواقف جيل زد والألفي ستصبح هي السائدة في السياسات الأمريكية مع صعودهم لمواقع القيادة خلال العقدين المقبلين.
في الختام، يُمكن القول إن إسرائيل اليوم أمام المرآة العالمية، لا أمام صورتها التي رسمتها لنفسها.
السردية القديمة التي استمرت لعقود تنهار تحت ثقل الحقائق المصوَّرة، الأرقام الموثقة، والتقارير الحقوقية.
لم تعد “الضحية الأبدية”، بل تُرى أكثر فأكثر بوصفها قوة محتلة تمارس عقابًا جماعيًا على شعب محاصر.
المستقبل أيضًا لا يبدو في صالح هذه السردية. فجيل Z، الذي يكشف جرائمها على الشاشات والهواتف، هو الجيل القادم إلى مواقع القيادة السياسية والإعلامية والأكاديمية..
ومع استمرار التحولات في الرأي العام الدولي، ومع تزايد عزلة إسرائيل القانونية والدبلوماسية، فإن السردية القديمة لن تجد مكانًا في العالم الجديد. الحقيقة صارت أقوى من الدعاية، والقناع الذي ارتدته إسرائيل لعقود سقط إلى غير رجعة.














