بقلم ✍️ د.ياسمين جمال
( باحثة دكتوراه في الاعلام التربوي ـ جامعة عين شمس)
أصبح العالم الرقمي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث يقضي الأطفال والشباب ساعات طويلة أمام الشاشات، يتابعون مقاطع الفيديو أو يمارسون الألعاب الإلكترونية أو يتصفحون مواقع التواصل.
ورغم ما تحمله هذه الوسائل من فرص للتعلم والترفيه، إلا أنها قد تفتح الباب أمام مشكلة خطيرة وهي العزلة الرقمية، أي انغماس الأبناء في عالم افتراضي يبعدهم عن أسرهم ومجتمعهم، ويضعف مهاراتهم الاجتماعية.
ومن هنا يبرز دور الأسرة كحائط الصد الأول لمواجهة هذه الظاهرة، فالوالدان مسؤولان عن غرس الوعي لدى أبنائهم منذ الصغر بأن التكنولوجيا وسيلة نافعة إذا أحسن استخدامها، لكنها قد تتحول إلى أداة سلبية إذا سيطرت على حياتهم.
ولعل البداية تكون من خلال تنظيم الوقت، بحيث يتعلم الطفل أن لكل نشاط وقته: وقت للمذاكرة، وقت للعب، وقت للحديث مع الأسرة، ووقت محدد للتكنولوجيا.
هذا التوازن يساعده على أن يعيش حياة طبيعية بعيدًا عن الإفراط.
كذلك، القدوة الأسرية عنصر أساسي، فإذا رأى الأبناء والديهم يقضون معظم أوقاتهم في الحديث المباشر، أو القراءة، أو ممارسة الرياضة، فسوف يتشجعون على تقليد هذا السلوك.
بينما إذا شاهدوا والديهم منغمسين طوال الوقت في هواتفهم، فلن يتقبلوا أي توجيه للحد من استخدام الأجهزة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن فتح قنوات الحوار بين الأهل والأبناء يظل من أهم الوسائل لمواجهة العزلة الرقمية. فعندما يجد الطفل مساحة للتعبير عن نفسه ومشكلاته داخل الأسرة، لن يبحث عن بدائل افتراضية لتعويض هذا النقص.
ومن المفيد أن يشارك الوالدان أبناءهم بعض أنشطتهم الرقمية، كمتابعة فيديوهات تعليمية أو ألعاب تفاعلية، ليتحول العالم الرقمي إلى مساحة مشتركة بدلاً من أن يكون عالمًا مغلقًا يعيشه الطفل بمفرده.
من جهة أخرى، تشجيع الأنشطة الواقعية يظل وسيلة فعّالة لتعويض الانغماس في الشاشات. فالرياضة، والرحلات الأسرية، والهوايات اليدوية، وحتى جلسات النقاش البسيطة داخل المنزل، كلها أنشطة تُشعر الأبناء بمتعة الحياة الواقعية وتُقلل من انجذابهم للعالم الافتراضي. كما أن مشاركة الأبناء في الأنشطة المجتمعية، مثل العمل التطوعي أو الرحلات المدرسية، يعزز ثقتهم بأنفسهم ويقوي روابطهم الاجتماعية.
ولا يمكن إغفال دور المدرسة أيضا، حيث تكمل المؤسسات التعليمية دور الأسرة في التوعية بمخاطر العزلة الرقمية، وتوجيه الطلاب لاستخدام التكنولوجيا في خدمة التعلم وتنمية المهارات. وعندما تتعاون الأسرة والمدرسة معًا، يصبح من السهل خلق جيل واعٍ يوازن بين العالم الواقعي والافتراضي.
لذا، فإن مواجهة العزلة الرقمية لا تعني منع الأبناء من استخدام التكنولوجيا، بل ترشيد هذا الاستخدام، وتحويله إلى وسيلة داعمة للتعليم والتواصل، لا بديلاً عن الأسرة والمجتمع.
فحين تحرص الأسرة على احتواء أبنائها، والاستماع إليهم، وتشجيعهم على بناء علاقات إنسانية حقيقية، فإنها تزرع فيهم القدرة على مواجهة تحديات العصر دون أن يفقدوا ارتباطهم بقيمهم وهويتهم.














