في احتفالات أكتوبر، لا ينبغي أن يقتصر نظرنا على وهج العبور العظيم، بل يجب أن نتأمل في الصدى المعرفي الذي أحدثته هذه الحرب في عقول العالم. إن مراجعة الأدبيات الاستراتيجية الغربية حول عام 1973 ليست مجرد قراءة للتاريخ، وإنما هي وثيقة إدانة بليغة لفشل الإدراك واليقين المطلق. لقد اضطرت المؤسسات الغربية، تحت وطأة المفاجأة، إلى تفكيك هيكل “وهم الألوهية العسكرية” الذي نسجته حول تفوق الطرف الآخر، لتعلن أن الانتصار المصري لم يكن صدفة ميدانية، وإنما هو شهادة نقدية على انتصار الإرادة الوجودية المصرية على التحيز المعرفي الراسخ.
لم يكن النجاح المصري في السادس من أكتوبر مجرد اختراق لجبهة عسكرية، لكنه كان انهياراً مدوياً لـ “سقوط المفهوم الإدراكي” الذي هيمن على العقل الاستخباراتي الغربي. هذا المفهوم، المتجذر في غطرسة الانتصار الساحق لعام 1967، رسّخ قناعة شبه إيمانية باستحالة شن حرب عربية كبرى. تشير تحليلات مراكز القوة الغربية، من واشنطن إلى لندن، إلى أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، وإنما في تصلب القشرة الذهنية التي رفضت استيعاب أي معطى يناقض يقينها المسبق. لقد كان المحللون “مفتونين” بقصة التفوق لدرجة أنهم عموا عن قراءة “النص المضاد” الذي كتبته القاهرة. النقد الغربي لم يكن تصحيحاً لتقدير الأداء المصري، بل كان اعترافاً قسرياً بوهن منظومة الرصد الذاتية. لقد فُرض على الغرب الاعتراف بأن النصر المصري كان فعلاً من أفعال الخداع الاستراتيجي العبقرية، حيث استطاعت الإرادة السياسية للرئيس السادات أن تخترق جداراً من الغرور الاستخباراتي عمره ست سنوات، ليصبح النجاح المصري إدانة صريحة للتحيز وتقديس الذات.
كانت اللحظة الأكثر إجلالاً في التقييم الغربي هي قبول البعد الفلسفي لـ “المناورة الساداتية” (The Sadat Gambit). أدرك السادات بذكاء يتجاوز الميدان أن الهدف لم يكن تدميراً عسكرياً شاملاً، بل كان إشعال فتيل التحريك لكسر حالة الشلل الاستراتيجي. تؤكد التحليلات الغربية أن الحرب صُممت لتكون “صيغة دبلوماسية متفجرة”، هدفها الجوهري، كما أدركه كيسنجر متأخراً، هو “استعادة الشرف المصري” وفرض التفاوض كشرط مساوٍ، لا كمنحة. هذا التحليل، الذي اضطر الغرب لكتابته، يحوّل النصر من عملية عسكرية إلى إنجاز حضاري في استرداد السردية. لقد أقر الغرب بأن القاهرة، عبر دوي المدافع، أعلنت أن ثمن الشرف باهظ، وأن هدفها كان إيصال رسالة للحليف والخصم معاً: لا أمن يمكن أن يُبنى على الهيمنة المطلقة. النصر، وفقاً للتقييم الموضوعي، تحول من مجرد استرداد الأرض إلى استرداد قرار الأمة وتغيير قواعد اللعبة الدبلوماسية العالمية، وهو النصر الذي يظل يتربع على قمة الإنجازات الاستراتيجية.
الاعتراف الغربي لم يتوقف عند الفلسفة، بل تجاوزها ليشمل النجاح المادي والرمزي لـ “عملية بدر”. وصفت مصادرهم العبور بأنه “انفجار للإرادة الوطنية” و”نجاح استثنائي في ساحة الردع”. كان الجانب الأكثر لفتاً للانتباه هو الإشادة بـ الابتكار الهندسي، وتحديداً استخدام المدافع المائية عالية الضغط. لم يكن هذا مجرد تكتيك؛ لقد كان فعلاً رمزياً، حيث مثلت المياه التي جرفت الرمال حاجزاً من الإذلال الذي أُقيم بعد 1967. هذه القوة الهائلة، التي اختصرت توقعات العدو من 24 ساعة إلى أقل من خمس ساعات، كانت دليلاً مادياً على قوة العزيمة المصرية. كما سلطت الأدبيات الضوء على “الصدمة العقائدية” لشبكة الدفاع الجوي (A2/AD). وعلى الرغم من أن بعض المحللين وصفوا كثافة الإطلاق بأنها “غير كفؤة فنياً”، إلا أنهم أقروا بالتأثير الحاسم لـ “الفعالية السيكولوجية” على المستوى العملياتي. لقد كانت الكثافة الهائلة للنيران كافية لـ “زعزعة الإسرائيليين نفسياً” وحماية رؤوس الجسور. هذا التناقض يثبت أن مصر فرضت منطقاً جديداً للحرب: منطق الإرادة الذي يتجاوز حسابات الكفاءة التقنية الضيقة.
إن النظرة الثقافية النقدية للتقييم الغربي لحرب أكتوبر تقودنا إلى استنتاج واحد قاطع: لقد كانت الكتابة الغربية شهادة استسلام فكري أمام النصر المصري. أجبر هذا النصر الباهر المحللين على الانتقال من أسر اليقين إلى اعتراف بالحقائق التي لا يمكن إنكارها: أن مصر كانت تمتلك إرادة سياسية لا تلين، وخططاً استراتيجية عميقة، وابتكاراً عملياتياً مدهشاً. في كل سطر من صفحات التحليل الغربي، يتردد صدى الاعتراف بأن حرب أكتوبر كانت حجر الزاوية الذي أعاد تشكيل خريطة المنطقة وكسر الجمود، لا بفعل التراكم العسكري وحده، وإنما ببراعة العقل المصري الذي عرف كيف يصوغ الحرب لتكون وسيلة للهدف الأسمى: استرداد الكرامة وصناعة سلام العزة.














