في هذا الزمن المائل كغصن عطش، صار القلب النقي تهمة، والوجه الصادق عارا. يشيرون إلى الطيب كما يشيرون إلى طفل لا يعرف المكر، فيضحكون منه، ويسمونه غبيا، لأنهم لا يصدقون أن في الأرض قلوبا لم تتعلم الخداع بعد.
يا للعجب! كأن الطيبة جريمة لا تغتفر، وكأن من اختار الصفاء في زمن العواصف قد أذنب في حق القسوة!
الطيب يمشي بين الناس كنسمة تتلمس الأرواح، لا يحمل سيفا ولا درعا، فيقابله القتلة بضحكة متعبة من فرط الزيف، ويقولون عنه: لا يفهم الدنيا.
وكيف يفهم دنيا كهذه، تخلت عن وجدانها كما تتخلى الأشجار عن أوراقها في الخريف؟
الطيبة ليست بلادة، بل سمو الروح حين ترفض أن تساير الطين في دناءته.
هي بياض في زمن لوثته الألسنة والنيات، وهي طهر يقاوم العفن بابتسامة مطهرة من السماء.
الطيب حين يؤذى، لا ينتقم، بل ينزف بصمت كزهرة تقطع من جذورها لكنها ما تزال تفوح بالعطر.
حين يكسر، يجمع شتاته على مهل، ويخفي شظاياه عن العيون حتى لا تصاب بخوف من جراحه.
وحين يخدع، لا يلعن، بل يرفع رأسه إلى السماء ويقول: اللهم احفظ قلبي من أن يشبههم.
يظن الناس أن الطيب لا يرى، بينما هو يرى أكثر منهم، لكنه يختار التغافل، كما تختار الأم أن تسامح طفلها العاق لأنها تحبه رغم وجعه.
الطيب يبتلع الإهانة كما يبتلع البحر صرخة الغريق، فيهدأ الموج، وتبقى الحكاية في الأعماق.
هو لا ينسى، لكنه يسامح كي لا يصبح مثلهم.
هو لا ينهزم، بل ينسحب بكرامة تشبه صلاة الفجر، لا يراها إلا من عرف النور.
الناس تخاف من الطيب لأنه مرآة، تظهر قبحهم دون أن تتكلم.
في حضرته، يشعر اللئيم بصغره، والمخادع بانكشافه، لذلك يرمونه باتهامات ليُسكِتوا ضمائرهم.
يقولون: “ده طيب زيادة عن اللزوم”
ولا يعلمون أن هذا الزائد هو ما ينقص العالم ليعود إنسانا.
الطيبة ليست غباء بل بطولة هادئة.
هي أن تظل قلبا أبيض في عالم أسود، وأن تمشي في طريق موحل دون أن تتسخ.
هي أن تبكي من ظلمهم، ثم ترسل لهم دعوة في جوف الليل، كأنك تقول للسماء: سامحيهم، فقد جهلوا قلبي.
هي أن تحيا كشمعة تذوب لتضيء للآخرين، ولا تشكو انصهارها، لأن الضوء رسالتها.
يا من تملكون قلوبا نقية، لا تخجلوا من نقائكم، ولا تطفئوا ضوءكم لأجل من لا يحتمل رؤيته.
اتركوا الزمان يحكم، فهو وحده يعلم أن الطيبين لا يخسرون، بل يؤجلون للنور القادم.
قد تكسرون اليوم، لكن الله يعدل الكسر بيده، ويجعل من ندوبكم وردا على جبين الرحمة.
فامضوا بقلوبكم الطيبة، ولا تصدقوا أن النقاء بلادة، فالأنهار لا تتسخ حين تمر فوقها القاذورات، بل تظل تمضي إلى البحر، نقية كما خرجت من عين الجبل.














