بقلم: د.هناء خليفة (دكتوراه الإعلام الرقمي)
»» ما بين التقنية والإنسان.. من يصنع من؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد طفرة تقنية في عالم الاتصال، بل أصبح قوة ثقافية خفية تُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته والعالم من حوله.
نحن لا نتعامل اليوم مع أدوات ذكية فحسب، بل مع منظومة كاملة تعمل على هندسة الإدراك الإنساني دون ضجيج.
لقد انتقلنا من مرحلة استخدام التكنولوجيا… إلى مرحلة العيش داخلها.
*الإعلام الرقمي من نقل الواقع إلى صناعته
لم يعد الإعلام الرقمي مرآةً تعكس الواقع، بل أصبح أداة تصنعه وفق خوارزميات دقيقة تُقرر ما يظهر وما يُخفى… فخلف كل “محتوى مقترح” تعمل أنظمة تعلمت سلوكنا حتى أصبحت تعرف ما الذي يثير فضولنا، وما الذي يصرف انتباهنا، إنها لا تكتفي بتغذية عقولنا بالمعلومات، بل تُعيد برمجة الطريقة التي نُدرك بها العالم.
الذكاء الاصطناعي لم يغيّر فقط المحتوى الذي نستهلكه، بل زاوية رؤيتنا للحقيقة ذاتها.
الوعي المُهندس
حين تتحول التجربة إلى استجابة
نعيش اليوم في زمن الوعي المُهندس، حيث يتحول الفعل الإنساني من تجربة حرة إلى استجابة محسوبة… ولم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل من الذي يقرر ما نعرفه؟
فالخوارزميات أصبحت وسيطًا بين الإنسان ووعيه، تُعيد تعريف مشاعرنا ومعتقداتنا دون أن ننتبه.
وحين تُهيمن المعادلات الرقمية على وعينا الجمعي، تتراجع التجربة الأصيلة أمام الصورة المصنوعة.
الخطر الحقيقي .. فقدان المرجعية الإنسانية
الخطر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في فقدان الإنسان لمرجعيته الشعورية والفكرية… حين نرى العالم من خلال مرشحات رقمية، نُدركه كما تريده المنصات لا كما هو في الحقيقة، وهكذا يصبح الوعي الجمعي منتجًا رقمياً يُدار من خلف الشاشة،
ويذوب الإدراك في بحر من “الذكاء المصطنع” الذي يتقن محاكاة الإنسان، لكنه لا يعرف طعم إنسانيته.
ومضة الأمل وعيٌ لا يُبرمج*
ورغم كل هذا، يبقى في قلب الإنسان ما لا يمكن لأي خوارزمية أن تُهندسه: الوعي الذاتي, فمجرد إدراكنا أننا نخضع لإعادة تشكيل، هو أول خطوة نحو التحرر منها، يمكننا أن نعيد بناء وعينا بوعيٍ جديد… أكثر يقظة، أكثر عمقًا، وأكثر إنسانية.
ربما لا نستطيع إيقاف الموجة الرقمية، لكن يمكننا أن نحافظ على جوهرنا الإنساني وسطها.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك التقنية فقط، بل لمن يملك الوعي الكافي لفهم أثرها عليه… وحين نصل إلى تلك المرحلة من الإدراك، لن يكون الذكاء الاصطناعي خطرًا…
بل مرآة تذكّرنا بما تبقّى فينا من إنسان.














