بقلم :د.خلود محمود
(مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية)
إن الذاكرة الجماعية للأمم تحوي علي لحظات فارقة تُختزل فيها مسارات التاريخ وتُعاد فيها صياغة الهُويات ومن بين هذه اللحظات يبرز “يوم الغفران” (كيبور) ليس مجرد مناسبة دينية مقدسة في الوجدان الإسرائيلي، بل كمفارقة تاريخية صاعقة فهو اليوم الذي اختاره القادة المصريون لكتابة واحدة من أعظم ملاحم العسكرية العربية، واليوم الذي تتحول فيه طقوس التكفير عن الذنب إلى هزيمة ستلاحق الدولة التي ادعت “المنعة” و”القدرة على التبشير بالخير ،
هذه ليست مجرد حرب خاضها الجيش المصري بل هي معركة على الرواية والذاكرة فبينما يحتفل المصريون بنصر أكتوبر المجيد، يشهد المجتمع الإسرائيلي على عملية “تزييف” ممنهجة للوعي، محاولاً تحويل هزيمتة العسكرية والاستراتيجية الساحقة إلى “نصر مُستَحدَث” أو “معجزة أنقذتهم من الإبادة” إنها رحلة من طقوس الغفران الدينية إلى هزيمة لم يغفرها التاريخ، ومن محاولات “التكفير” عن فشل المؤسسة العسكرية والإستخباراتية إلى ذاكرة هزيمة مُعانَدة ترفض النسيان.
بداية يوم الغفران أو “يوم كيبور” هو أقدس أيام السنة لدى اليهود، وهو يوم صوم كامل و”سبت الأسابيت” تحظر فيه جميع الأعمال اليومية بما فيها الكتابة، إشعال النار، وتشغيل السيارات ، ما يؤدي إلى شلل تام في الحياة العامة هذا يجعل أي عمل عسكري أمرًا غير متوقعٍ اطلاقاً وهنا كانت المفارقة والتكتيكي العسكري المميز من قبل الجيش المصري في اختيار التوقيت الملائم لتلك العملية العسكرية .
ويوم الغفران (كيبور) في التقاليد اليهودية نسيجاً وجودياً فريداً، فهو ليس مجرد يوم للصوم والامتناع عن الطعام والشراب، بل هو حالة من “الشلل المجتمعي المُقدس” تصل إلى حد توقف كافة وسائل النقل، وإغلاق المطارات، وتعطيل البث الإذاعي والتلفزيوني، بل وتجميد الحياة بشكل شبه تام هذه القداسة التي تحول فيها الشوارع إلى ممرات للمشاة فقط، وتتجه فيها الأذهان نحو التكفير عن الذنوب، هي بالضبط ما حوّله القادة المصريون إلى نقطة ضعف استراتيجي قاتلة ففي هذا اليوم تحديداً الذي تبلغ فيه اليقظة الإسرائيلية أدنى مستوياتها النفسية والعسكرية، تحول الصمت الروحي إلى غطاء مثالي لزئير المحركات لم تكن الضربة الجوية المصرية التي دكت مرابض خط بارليف في 20 دقيقة فقط، تليها عبور آلاف الجنود إلى الضفة الشرقية للقناة، مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل كانت استغلالاً عبقرياً لـ “نفسية” المناسبة حيث حولت المفاجأة التكتيكية الهزيمة العسكرية الإسرائيلية إلى صدمة وجودية، مزقت شرنقة “الأمان الديني” وأثبتت أن القداسة لم تكن حصناًً منيعاً أمام إرادة القتال والتخطيط العلمي الدقيق وتحقيق نصر تتحاكي عنه كل المدارس العسكرية في كل العالم للآن.
أما المجتمع الاسرائيلي فيراه بعين أخري، عين سرد روائي يضلل التاريخ ويغير روايته وتتمثل آليات تزييف الهزيمة في الرواية الإسرائيلية إلي عناصر محددة اقرائها وارائها في كل رواية ترويها أسرائيل عن حرب أكتوبر وأرويها أنا في مقالي في السطور التالية لنعلم جميعاً أن وعياً يتم تزيفه وتاريخنا يتم تزويره ولابد أن نعي ونعلم أجيالنا قادمة حقيقة تاريخنا وانتصارنا ، أن النصر العسكري في حرب أكتوبر 1973 حقيقة مادية ملموسة ومع ذلك فأن التعامل الإسرائيلي معه يشكل نموذجاً مأساوياً لصناعة “الواقع البديل” فقد انتهجت الرواية الإسرائيلية السائدة عدداً من الآليات المتقنة لإدارة صدمة الهزيمة وتشويه ملامحها تبدأ بالتلاعب الدلالي عبر تسمية الحرب “بحرب يوم الغفران” (ميلخمت يوم كيبور) وهي تسمية لا تكتفي بالإشارة إلى التوقيت فحسب بل تستحضر بشكل متعمد بُعداً لاهوتياً يحوّل الهزيمة العسكرية إلى قصة خلاص فبواسطة هذه الآلية يتم تحويل الموقف من هزيمة استراتيجية أمام التخطيط العسكري المصري البارع، إلى “معجزة” إلهية أوجدت مخرجاً من الدمار، مما يطمس حقيقة الإنجاز العسكري المصري ويحوّل “المنقذ” من جيش العدو إلى قوة غيبية ، وتتويجاً لهذه السردية، يبرز الراوي الاسرائيلي آلية أخرى أكثر تعقيداً، وهي التشكيك في النتيجة النهائية للحرب ووصفها بـ”غير الحاسمة”، في محاولة لطمس الحقيقة الاستراتيجية الأكثر وقعاً، وهي أن الجيش المصري حقق هدفه الأساسي بالكامل بالعبور والسيطرة على شريط شرق القناة بينما فشلت جميع المحاولات الإسرائيلية بما فيها عملية “ثغرة الدفرسوار” في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية المتمثلة في احتلال مدينتي الإسماعيلية أو السويس أو تدمير الجيش الثالث المصري مما يجعل ادعاء “عدم الحسم” مجرد تمويه لعدم الاعتراف بالهزيمة.
ولتعميق هذا التمويه، تلجأ إسرائيل لـ الآلية الثالثة وتعمل فيها علي تضخيم الخسائر العربية رقمياً وإعلامياً، في إطار سردية تهدف إلى تحويل الانتصار المصري المُحقق إلى مجرد “مواجهة تكبد فيها الطرفان خسائر فادحة”لكن هذه السردية تتجاهل عمداً حجم الخسائر الإسرائيلية الكارثية، والتي تقدرها مصادر محايدة بما يتراوح بين 8,000 إلى 10,000 قتيل، فضلاً عن تدمير أكثر من ألف دبابة ومئات الطائرات وهي خسائر لم تشهد الدولة العبرية مثيلاً لها في أي حرب من قبل وشكلت صدمة وجودية هزت مقولة “الجيش الذي لا يقهر” من أساسها ، ولعل أخطر هذه الآليات هي توظيف عملية المصالحة مع مصر لاحقاً كـ”غطاء” لتزييف الوعي الجمعي فبدلاً من قراءتها كنتيجة منطقية لاختلال ميزان القوى العسكري بعد أن أثبتت مصر قدرتها على كسر احتكار التفوق، يتم تقديم السلام على أنه “انتصار دبلوماسي” تحقق “من موقع القوة” وهكذا، تُستخدم المصالحة – في أحد أوجهها – كأداة لفصل العاقبة (السلام) عن سببه الحقيقي (الهزيمة العسكرية)، ليتم غسل الهزيمة بطلاء الانتصار الدبلوماسي الوهمي، في عملية اغتيال ممنهجة للذاكرة وللتاريخ.
الأن وبعد نصف قرن على حرب أكتوبر، لم تعد المعركة تدور حول ساحات القتال فحسب بل تحولت إلى معركة وجود على صفحات التاريخ ووعي الأجيال لقد أدركت إسرائيل مبكراً أن الهزيمة العسكرية يمكن تعويضها لاحقاً لكن الهزيمة في الرواية التاريخية هي الهزيمة الأبدية ومن هنا، وظّفت آلة إعلامية ضخمة تحوّلت إلى أداة حرب ناعمة ليس لتشويه الحقائق فحسب بل لصناعة واقع بديل كامل فمن خلال آليات التزييف المنظمة بدءاً من التحويل اللاهوتي للهزيمة إلى “معجزة إلهية” في حرب يوم الغفران، مروراً بـالتلاعب بالمصطلحات ووصف الهزيمة الاستراتيجية الساحقة بأنها “عدم حسم”، ووصولاً إلى توظيف عملية السلام مع مصر كإنجاز دبلوماسي يطمس أسبابها العسكرية وبدأت الرواية الإسرائيلية في تشكيل وعي أجيال جديدة لقد حوّلت هذه السردية جريمة تزييف التاريخ إلى فن متقن حيث يتم تضخيم الخسائر العربية وتهميش الخسائر الإسرائيلية الكارثية، ليس كإنكار للوقائع، بل كوسيلة لخلق ذاكرة جماعية مشوهة تخدم هدفاً واحداً وهو إخفاء أن جيشاً عربياً، وبإرادة مصرية خالصة، استطاع أن يحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر في أقدس أيامهم، ويُعيد رسم خريطة القوى في المنطقة.
في النهاية، يبقى نصر أكتوبر المجيد حقيقة تتحدى كل محاولات التزوير وتظل المهمة الأصعب ليست مجرد سرد التاريخ بل حماية التاريخ من هذه الآلة الجبارة التي تستهدف العقول قبل القلوب وتصنع للأجيال القادمة ذاكرة مزورة تكون فيها الهزيمة انتصاراً وفيها يتحول المنتصر الحقيقي إلى مجرد طرف في رواية مشوهة إنها معركة الوعي حيث يصبح تذكر الحقيقة بحد ذاته مقاومة.














