بقلم: شجون حسن
في شرم الشيخ، حيث يقبّل البحر جبين الصحراء، شهد العالم اليوم مشهداً يتجاوز حدود السياسة إلى مقام القدر. هناك وقفت مصر، ليست مجرد دولة، بل ضميرٌ حيّ لأمّةٍ أنهكها النزف، لتعيد للسلام وجهه الإنساني بعدما طمسته أعوام الحرب وركام البيوت المنكوبة في غزة. لم يكن المؤتمر الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدداً من القادة العرب والدوليين اجتماعاً بروتوكولياً، بل منعطفاً في مسار التاريخ، لحظة صدق نادرة تكلم فيها الحق على لسان من يعي وزن الوطن وقدر الدم وحدود الكرامة.
سنواتٌ طويلة حملت فيها مصر همّ غزة كما تحمل الأمّ رضيعها الجائع؛ سهرَت على جراحه وكتمَت أنينه حتى لا تلتقطه آذان العدو. لم تزايد، لم تتاجر، ولم ترفع شعاراتٍ جوفاء، بل عملت بصمت الأنبياء وصبر الأمهات. وحين حان الوقت أعلنت وقف الحرب وبدء الإعمار، ليس بضغط السلاح، بل بقوة المكانة وعمق الضمير. قال الرئيس السيسي في كلمته: «السلام ليس ضعفاً، بل أعظم صور القوة». كانت عبارته شِعاع نور يخترق ظلام المشهد، تذكّر الجميع أن الكرامة ليست بندقية، بل إرادة لا تُقهر.
الاتفاق الذي وُقّع اليوم لم يكن ورقةً سياسية فحسب، بل صكّ حياة لأرضٍ عانت ما يفوق الاحتمال. بموجبه تُوقف الحرب نهائياً، وتنسحب قوات الاحتلال من أجزاءٍ من شمال غزة، وتبدأ مرحلة إعمارٍ تخضع لإشراف لجنة دولية برئاسة مصر. تُفتح المعابر وتُرفع القيود، ويُعاد الأسير إلى بيته، وتُرمّم المنازل قبل أن تجفّ دموع الأطفال. وتشمل خطة الإعمار بناء مدارسٍ جديدة ومستشفياتٍ ميدانية، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه، وإعادة بناء الأحياء المدمّرة بحيث تعود غزة مدينة تنبض بالحياة لا رمزاً للخراب.
وقف ترامب هذه المرّة ليس كمُحاربٍ ولا كمُبشّرٍ بوعودٍ رنانة، بل كمستمعٍ لهيبة القاهرة، قال: «لقد أثبت الرئيس السيسي أن طريق السلام لا يمر من واشنطن، بل من القاهرة». كلمةٌ اعترف فيها التاريخ بأن مصر ليست مجرد طرف إقليمي، بل قلبٌ نابض يضخّ الحياة في شرايين المنطقة كلما اقتربت من الموت.
منذ الوهلة الأولى لانعقاد القمة دوّى صداها في العواصم. وصفت الأمم المتحدة الاتفاق بأنه «بارقة أمل حقيقية»، وأعلن الاتحاد الأوروبي استعداده لدعم خطة الإعمار، فيما كتبت الصحف العالمية أن مصر عادت إلى صدارة المشهد ليس بقوة السلاح بل بقوة الوعي. فمتى ما تكلمت مصر، صمتت البنادق؛ ومنذ عهد الفراعنة، ظلت بوابةً للتاريخ يدخل منها العدل ويخرج منها النور.
ما جرى في شرم الشيخ لم يكن مجرد صفقة بين زعماء، بل مصالحة بين الإنسان وقدره. أمٌّ في غزة فقدت أبناءها الثلاثة قالت لعدسات الصحافة: «أحمد الله أن مصر لم تنسَنا». جملةٌ تختزل معنى المؤتمر: مصر لا تنسى أبناءها وإن تاهوا خلف الحدود. وها هي غزة تُعيد جمع قلبها المكسور، ترفع رأسها نحو الجنوب، نحو الأخت الكبرى التي لا تخذل.
لقد عاد المؤتمر ليذكرنا أن الإعمار ليس رفاهية ولا حسابات اقتصادية فحسب؛ إنه أمن وسلام وعدل. مشاريع إعادة الإعمار ومبادرات اقتصادية وصندوق تمويل دولي بمساهمات عربية وغربية وُضعت تحت عنوان واحد: «لا سلام بلا حياة، ولا استقرار بلا إعمار». كل طوبة تُبنى في غزة هي خطوة نحو استعادة كرامةٍ مسلوبة، وكل مدرسة تُفتتح وكل مستشفى يُبنى هو شهادة أمل تُسجل ضدّ منطق الحروب.
حين تهدأ العواصف، سيذكر المؤرخون أن الشرق كاد يزول، وأن مصر وحدها أيقظته من غيبوبةٍ قاتلة. سيقال عن يومٍ في شرم الشيخ إن السيسي لم يتحدث باسم دولةٍ فقط، بل باسم قارةٍ من العدل تمتدّ من النيل إلى ضمير العالم. وسيُكتب بعد سنين: في ذلك اليوم أعادت مصر للسلام وجهه الإنساني وللعالم ذاكرته المفقودة.














