بقلم : د.لمياء محسن
(دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام ـ جامعة القاهرة)
في عصر تُصبح فيه البيانات هي “النفط” الجديد، لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات فقط، بل بالخوارزميات والمعلومات.
لم تعد القوة فيمن يملك الأرض أو السلاح، بل فيمن يملك البيانات، من يعرفك أكثر مما تعرف نفسك، ويستطيع أن يوجّهك دون أن تشعر. وفي هذا المشهد الجديد، تظهر إسرائيل كلاعب متقدّم بهدوء، تعمل في الظل لتضع يدها على أدوات الذكاء الاصطناعي، وتعيد رسم خريطة النفوذ العالمي على أساس من المعلومات لا من الجغرافيا.
من يراقب المشهد التكنولوجي يلاحظ أن إسرائيل لم تكتفِ بأن تكون قوة عسكرية تقليدية، بل انتقلت منذ سنوات لتكون مركزًا عالميًا في تطوير الذكاء الاصطناعي، وأنظمة المراقبة، وتحليل البيانات. شركاتها الناشئة أصبحت المورد الخفي لكبرى شركات التقنية الغربية، من وادي السيليكون إلى البنتاجون. خلف كل “نظام ذكي” أو “تطبيق آمن” أو “كاميرا مراقبة دقيقة”، تقف برمجيات وتقنيات إسرائيلية نشأت في بيئة أمنية، ثم تحولت لاحقًا إلى أدوات مدنية تبدو بريئة الشكل.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل فيمن يملك مفاتيحها ومن يتحكم في تدفق البيانات. إسرائيل تدرك أن مستقبل السيطرة لن يكون في احتلال الأرض، بل في احتلال “العقل” — في معرفة كيف يفكر الناس، وكيف يتفاعلون، وماذا يشاهدون، ومتى يغضبون أو يثقون أو يخافون. ولذلك، فإن السيطرة على خوارزميات التواصل الاجتماعي أو الذكاء الاصطناعي ليست مسألة اقتصادية فقط، بل مشروع هيمنة ناعم عابر للحدود.
الجدل الأمريكي حول بيع أو حظر تطبيق “تيك توك” مثلاً ليس بعيدًا عن هذا السياق. ففي الوقت الذي تنشغل فيه واشنطن بالصراع مع الصين على ملكية البيانات، تتحرك شركات إسرائيلية بهدوء للاستحواذ على مساحات النفوذ داخل المنصات الرقمية الكبرى، سواء عبر الاستثمار المباشر أو من خلال برمجيات وسيطة تعمل خلف الكواليس. السؤال الذي لا يُطرح كثيرًا: من يمتلك الآن مفاتيح الذكاء الاصطناعي العالمي؟ ومن يُغذّي هذه الخوارزميات بالمعلومات؟ وهل نحن — كشعوب وأفراد — نعرف حقًا من يستخدم بياناتنا، ولأي غرض تُستخدم؟
من التجسس إلى التوجيه: مرحلة السيطرة الخفية
منذ فضيحة برنامج “بيغاسوس” التابع لشركة NSO الإسرائيلية، أدرك العالم أن المسألة لم تعد مجرد تجسس على الهواتف، بل هندسة ممنهجة للبيانات والعقول. فهذه البرامج لا تسرق صورًا ورسائل فقط، بل تجمع أنماط السلوك، وتُحلل الاهتمامات، وتبني ملفات ذهنية دقيقة عن كل شخص يمكن استخدامها لاحقًا في التوجيه أو الابتزاز أو حتى في هندسة الرأي العام.
إسرائيل طوّرت هذه التقنيات أولاً لاستخدامها في الأراضي الفلسطينية، ضمن ما يُعرف بسياسة “المراقبة الكاملة”، لكنها سرعان ما صدّرتها للعالم، في صورة شركات تكنولوجية تعمل بغطاء مدني. وهكذا تحوّل “الاحتلال” من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على البيانات.
الذكاء الاصطناعي كجبهة جديدة للحرب
في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي هو الجبهة الجديدة للصراع الدولي. ومع تصاعد الحديث عن الحروب الخوارزمية، دخلت إسرائيل السباق بقوة، ليس فقط عبر الجيش، بل من خلال شركات ناشئة تموّلها مؤسسات أمنية وأكاديمية.
تعمل هذه الشركات على تطوير أنظمة تحليل بيانات، وقدرات “تعرّف بصري”، ومنصات للتنقيب في أنماط السلوك الاجتماعي، تُستخدم في توجيه الرأي العام، أو في الحملات السياسية، أو حتى في تصميم محتوى يخدم أهدافًا معينة.
بمعنى آخر، أصبحت الخوارزميات الإسرائيلية سلاحًا ناعمًا لإعادة رسم وعي العالم، دون إطلاق رصاصة واحدة.
من الإعلام إلى الوعي الجمعي
حين تُسيطر دولة على تدفق المعلومات، فهي لا تسيطر على “الخبر” فقط، بل على “الزاوية التي يُرى منها الخبر”. وهذا ما تفعله إسرائيل اليوم عبر شبكة معقدة من الشراكات التقنية والمعلوماتية، تربطها بشركات تواصل اجتماعي عالمية، وبمراكز تحليل بيانات ضخمة، بعضها في وادي السيليكون.
وهكذا، لا نحتاج إلى جنود ولا مدافع كي نُخضع الشعوب، بل يكفي أن نُعيد تشكيل وعيها من خلال ما تُشاهده وتقرأه وتفكر فيه. إنها السيطرة على “العقل الجمعي” في أعمق صورها: احتلال الوعي بدلًا من احتلال الأرض.
والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة، إلى أين نسير؟
إننا نعيش، دون أن ننتبه، داخل شبكة ضخمة من المراقبة النفسية والسلوكية. كل صورة ننشرها، وكل فيديو نشاهده، وكل إعجاب أو تعليق، هو “بيانات خام” تُترجم في مراكز تحليل ضخمة إلى خرائط ذهنية تُستخدم لاحقًا لتوجيه الرأي العام، وتغذية الخطاب الإعلامي، وحتى تشكيل المواقف السياسية.
إسرائيل اليوم ليست مجرد دولة “تجمع بيانات”، بل تُعيد هندسة العالم من خلال الذكاء الاصطناعي الذي يتغذى على تلك البيانات — خوارزميات التعرف على الوجوه، أنظمة المراقبة الأمنية، برامج تحليل المزاج الجماعي، وحتى الذكاء الاصطناعي المستخدم في الإعلام وصناعة المحتوى.
نحن اليوم لسنا مجرد مستخدمين للتطبيقات، بل نحن المنتَج ذاته. بياناتنا تُباع، ومشاعرنا تُقاس، وسلوكنا يُعاد برمجته.
في هذا المشهد، تقف إسرائيل كأحد أبرز المستفيدين من “عصر البيانات”، تجمع ما يشبه البصمة النفسية للبشرية، لتُعيد بها رسم خريطة الوعي العالمي على طريقتها.
قد تبدو هذه التقنيات محايدة، لكنها في جوهرها أدوات سلطة. حين تملك جهة ما القدرة على قراءة العقول الرقمية لشعوب بأكملها، فإنها لا تحتاج إلى جيش لغزوهم. يكفي أن تغيّر ترتيب ما يظهر على شاشتهم، أو أن توجّه خوارزمية بحث لتُبرز معلومة وتُخفي أخرى، فيتحول وعي المجتمع تدريجيًا دون أن يشعر. إنها حرب غير معلنة حرب على الإدراك.
السؤال المؤلم هنا: هل نحن مجرد بيادق في رقعة شطرنج رقمية تُحرّكها أيادٍ لا نراها؟ من الذي يحدد اليوم ما نفكر فيه، وما نصدّقه، وما نخشاه؟ وإذا كانت البيانات هي سلاح المستقبل، فهل نملك نحن – كعالم عربي – أي درعٍ يحمي ذاكرتنا الرقمية من الاستغلال؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بالوعي: أن ندرك أن في عصر ما بعد الحقيقة، لم يعد السؤال: “من يملك القوة؟”، بل “من يملك المعلومة؟”.
ومن يملك المعلومة، يملك الإنسان.
لهذا، حين تُباع البيانات في صفقات كبرى، فليُدرك العالم أن ما يُباع في الحقيقة هو العقل البشري ذاته ، الوعي، الإرادة، وحتى الحلم.














