بقلم :✍️ رضا سُليمان (مخرج وأديب وروائي)
في كل زمان ومكان كانت الدراما الإذاعية حاضرة وفاعلة. تأثيرها مؤكد، ووصولها إلى الجماهير سهل، بينما تكلفة إنتاجها أقل بمئات المرات من تكلفة الدراما التلفزيونية؛ فبتكلفة إنتاج حلقة واحدة من مسلسل تلفزيوني يمكن تقديم ما لا يقل عن عشرة مسلسلات إذاعية، كل منها من ثلاثين حلقة. ومع هذه التكلفة الزهيدة تستطيع الدراما الإذاعية أن تحقق رسالتها كاملة من إمتاع وتثقيف، إلى بث القيم والأخلاق والانتماء، وتهيئة الجماهير في ظروف الأحداث العامة وغيرها.
لقد كان للدراما الإذاعية دور عظيم في نقل الفكر والثقافة المصرية إلى مختلف الدول العربية، بل وصل التعاون إلى إنتاج مسلسلات مشتركة بين مصر ودول عربية أخرى، ما عزز من فكرة الوحدة الفكرية وتلاقي الشعوب. وكان المسلسل الواحد يضم موضوعًا وأبطالًا من جنسيات مختلفة، ويُبث في الدول العربية في التوقيت ذاته؛ فتخيل معي أن يستمع أبناء الوطن العربي لمسلسل واحد في نفس اللحظة!
وقد استعانت الدراما الإذاعية بكبار نجوم الفن: يوسف وهبي، أمينة رزق، زوزو نبيل، محمود المليجي، فريد شوقي، كريمة مختار، عمر الشريف، فاتن حمامة، سميحة أيوب، محمود الحديني، فؤاد المهندس، شويكار، أحمد زكي، عبد الحليم حافظ، عادل إمام، نادية لطفي، أمين الهنيدي… وغيرهم الكثير حتى من نجوم الجيل الحالي، بما يصعب حصره هنا.
وإذا قمنا بجولة سريعة عبر تاريخ الدراما الإذاعية منذ البدايات وحتى اليوم، سنجد أنفسنا أمام عالم سحري يجب ألا نهمله أو نسمح بتراجعه. هناك عشرات المخرجين ومئات من الأعمال التي تحتاج إلى مجلدات لتوثيقها. كما أن هناك إنتاجًا متنوعًا لشبكات إذاعية مثل صوت العرب، الشبكة الثقافية، الشبكات الإقليمية وغيرها؛ ولسنا هنا بصدد التوثيق الكامل، بل مجرد إطلالة محبة ووفاء.
نبدأ مع الفنان الشامل السيد بدير وأعماله مثل: شخصيات تبحث عن مؤلف – الأبالسة – أحلام العصافير – تقاليع الستات – خطيبة إسماعيل يس – ليلة رهيبة – لست شيطانًا ولا ملاكًا.
ثم المخرج العبقري محمد علوان الذي ترك لنا أعمالًا خالدة مثل:
في بيتنا رجل (1960) – حياتي (1962) – لا شيء يهم (1964) – شيء من العذاب (1966) – أيام معه (1967) – نادية (1968) – الحب الضائع (1969) – أرجوك لا تفهمني بسرعة (1973) – سنة أولى حب (1974)
إلى جانب مسلسلات مثل: إفلاس خاطبة – الجدعان – أنف وثلاث عيون – أين تذهب أمي؟ – بنت الدلال – بنت مدارس – خديجة – شلة الأنس – عنبر سبعة.
أما المخرج الإذاعي الراحل مدحت زكي، رئيس صوت القاهرة وقطاع الإنتاج، فمن أعماله: سلسلة كتاب عربي علم العالم (55 مسلسلًا) – الإمام أبو حامد الغزالي – العظماء مئة وأعظمهم محمد – رحلة في الزمن القديم – شعاع الحرية – فكري أباظة – أوف سايد – قارئ الفنجان – رفيدة الإسلامية أول طبيبة في الإسلام – أيام الأجداد – رحلة إلى الشاطئ الآخر – بكرة يبتدي النهاردة – ابن خلدون – سلسلة نحن العرب علمنا العالم (ابن سينا – جمال الدين الأفغاني – البيروني) – الخطط المقريزية – واشتعلت النيران – بشير السلام.
وصاحب برنامج قال الفيلسوف المخرج إسلام فارس قدم روائع مثل: نبي الهدى – البحث عن الذات – طريق السعادة – المتمرد عبد الله النديم – نور اليقين – الإمام علي – الفاروق عمر بن الخطاب – إبليس يتحدث عن نفسه – عثمان بن عفان – أبو بكر الصديق – قصة الحضارة – عمر بن عبد العزيز – النساء في القرآن.
أما صاحب برنامج أغرب القضايا المخرج عبده دياب، فقد استمر برنامجه ثلاثين عامًا، وبلغ رصيده 64 خماسية و25 سباعية و44 مسلسلًا إذاعيًا.
ثم المخرج سمير زين صاحب أعمال مثل: إشراقات التوبة – ميلاد البلدان – عظماء الإسلام – سلسلة في السيرة العطرة (10 أجزاء × 30 حلقة لكل جزء) – سلسلة نجم في سماء الزمان (ابن رشد – مصابيح الهدى – الظاهر بيبرس – المقريزي – لسان الدين الخطيب) – النجوم الزاهرة – أيام مصرية.
والمخرج مجدي سليمان صاحب أعمال متنوعة مثل: صور من الحب – اسمين في حكاية – المغتربون – حتى لا يغيب الوعي – أجازة سعيدة جدًا – صناع الأمل – عظماء خلدتهم أعمالهم – الأغاني للأصفهاني – كذب المنجمون – معلش – الدنيا مراية – حواديت – خلي بالك من لسانك – وجوه من أكتوبر – وأنا مالي – أجازة ولا كل الأجازات – ممنوع من الصرف – كله إلا كده – المحمديات – إلحق وقتك – أنستونا – كله ماشي – ما كانش ع البال – يا أنا يا هما – ماحدش واخد منها حاجة – الحق يا عبد الحق – أوعى لعقلك – وبكره يا ما نشوف – مين ولا مين – الواد زغلول شايل محمول – إن كنت ناسي أفكرك – الناس جرى لها إيه.
ومن أعمال المخرج أحمد أبو طالب: أولو العزم – مصابيح الهدى – صدفة ولكن – لبيك اللهم لبيك – المثقفون في الأرض.
أما المخرج محمد المسّاح فله أعمال مثل: الأم والأرض – أطباء ولكن أدباء – العطاء – تسالي العصاري – موال لكل زمان.
والمخرج رمزي مجاهد: المبشرون بالجنة – الكلام المباح – بنت من الريف – المحطة الأخيرة – نسناس في العش الوردي.
ولصاحب هذا المقال رضا سليمان أعمال إذاعية أبرزها: بقى دا اسمه كلام – عبده رايح فين – يوميات مرزوقة ومرزوق – الرسول في رمضان – كليلة ودمنة – غريب في بلاد غريبة – حول العالم في 200 يوم – حقك يا مصر – قناة السويس شريان من قلب مصر – ألقاب الصحابة – أوراق البردي (2500 حلقة) – قطوف الأدب من كلام العرب – همسة عتاب.
ومن زملاء الجيل:
د. محمد لطفي (واحة الغروب)،
صفي الدين حسن (هارب على سفر – التنظيم السري)،
محمد علي (ما وراء النهر)،
علي عبد العال (المهرة والخيال)،
تامر شحاتة (الإمام محمد عبده)،
نشوى عبد المنعم (فارسة الأدب العربي)،
إيمان يحيى (ثلاثون يومًا قبل العبور)،
طارق دياب (الخدعة).
وقبل الختام لا يمكن أن نغفل علامات إذاعية خالدة مثل: ألف ليلة وليلة – سمارة – عائلة مرزوق – ذئاب ورجال – الأستاذ نجف – رحلة الكروان، وعلى رأسها الصور الغنائية مثل: عوف الأصيل – الدندرمة – الراعي – قطر الندى – عذراء الربيع – قسم وأرزاق.
إنها ذاكرة الأمة التي لا يصح أن تُنسى أو تُختزل.. الدراما الإذاعية ليست ماضيًا جميلاً فقط، بل طاقة إبداعية هائلة يجب أن نعيد لها وهجها.
واليوم، ومع انتشار المنصات الرقمية والبودكاست، بات من السهل أن تستعيد الدراما الإذاعية مجدها في ثوب عصري جديد؛ فالأذن لا تزال تصغي، والخيال لا يزال يتوق للتحليق دون قيود الصورة. إن إعادة الاستثمار في هذا الفن ليست مجرد حنين للماضي، بل استثمار في قوة التأثير الناعم، وتأصيل للهوية، وتقديم وجبة إبداعية راقية بأقل تكلفة وأعلى مردود. فلتُفتح الأبواب من جديد أمام الميكروفون، وليُمنح الفرصة للأجيال الجديدة من الكتّاب والمخرجين والممثلين لخوض التجربة؛ فالدراما الإذاعية ما زالت قادرة على أن تُدهشنا، متى أُتيحت لها المساحة لتتكلم.














