لم تكنْ تطلبُ مجدًا، ولا ترجُو تصفيقًا من أحد، غيرَ أنّ الزمانَ خانَها حينَ احتاجتْ إليه، فوجدتْ نفسَها عاريةَ القلبِ إلّا من إيمانٍ، وعاريةَ الكفِّ إلّا من تعبٍ وكرامة.
هيَ المرأةُ التي خَذَلَها الجميعُ، فصارتْ هيَ الجميعَ…
الأمُّ التي أطفأتْ رِقَّتَها لتُضيءَ بيتَها بدفءِ الأب، والزوجةُ التي أنجبتْ من وَجَعِها خُبزًا، ومن دموعِها أملًا، ومن صبرِها حياةً.
تستيقظُ قبلَ الفجرِ، فتطعمُ أبناءَها قبلَ أن تُطعمَ نفسَها، وتخرجُ إلى العملِ بجسدٍ أرهقَهُ العناءُ، لكنّها تمشي على الأرضِ كما تمشي الكرامةُ على الجرحِ: لا تئنُّ، ولا تسقطُ.
في الحاراتِ القديمةِ تراها تُجرُّ أثقالَ الحياةِ بيدٍ من طينٍ وأخرى من نار، وفي الأحياءِ الراقيةِ تراها تُخفي تحتَ أناقتها قلبًا مثقوبًا بالصبرِ كأنّهُ ثوبُ عُمرٍ رقّعتْهُ الأيامُ بالوجعِ.
هيَ في كلِّ الطبقاتِ امرأةٌ واحدةٌ؛ إن اختلفتْ الوجوهُ فالوجعُ واحدٌ، والليلُ واحدٌ، والوسادةُ التي تبكي عليها واحدةٌ.
وحينَ ينامُ الجميعُ، تجلسُ في العتمةِ، تسألُ مرآتها:
«أأنا أنثى؟ أم جدارٌ من حديد؟ أم ظلُّ رجلٍ غابَ وبقيتْ رُوحُهُ تُلاحقُني؟»
ثمَّ تمسحُ دموعَها وتعدُّ للغدِ خطةً جديدةً للنجاةِ.
النجاةُ صارتْ مِهنتَها، والصبرُ صارَ حِرفتَها، والحنانُ الذي لم تجدهُ، تصنعُهُ بيديها كما تصنعُ الأمُّ الخبزَ من جوعِها.
لا تطلبُ شفقةً، ولا ترجُو امتنانًا.
تعلمُ أنَّ الحنيةَ عُملةٌ نادرةٌ، وأنَّ اللهَ وحدَهُ لا يخذلُ قلبًا أرهقهُ العطاءُ.
هيَ من لحمٍ ودمٍ ودموعٍ، تخفي حزنَها بابتسامةٍ، وتضحكُ في وجهِ أولادِها كي لا يُدركوا أنَّ داخلَها مدينةً من وجعٍ تنهارُ بصمتٍ.
كم من امرأةٍ بيننا تُخفي في عينيها أطلالَ بيتٍ تهدّمَ، وزوجٍ هربَ كجبانٍ من ساحةِ مسؤوليتِه، وليلٍ طويلٍ بلا كتفٍ ولا كلمةِ حنانٍ.
كم من مريضةٍ تُخفي دواءَها عن أعينِ أولادِها كي لا يُدركوا ضعفَها، وتنهضُ لتُكملَ واجبَها كأنّها لا تتعبُ.
خذلَها الزوجُ، وخذلَها الأقاربُ، وخذلَها المجتمعُ، لكنّها صارتْ هيَ الكلَّ: أمًّا وأبًا، وسندًا وظلًّا، ووجهَ نهارٍ لا يغيبُ وإنْ طالَ ليلُها.
وحينَ تتهالكُ قواها، تنظرُ إلى أبنائِها وتقولُ في سرِّها:
«لم أُخلَقْ للراحةِ، بل لأكونَ الجسرَ الذي يعبُرون عليه إلى النورِ».
يا أيُّها الناسُ، إنْ مررتمْ بامرأةٍ تُكافحُ وحدَها، فأنزلوا قلوبَكم عن عيونِكم، وانظروا إليها بإجلالٍ لا بشفقةٍ.
هيَ ليستْ حالةً اجتماعيةً، بل آيةٌ من آياتِ الصبرِ والإيمانِ.
هيَ نَصْبُ الإنسانيةِ الذي يُذكّرُكم أنَّ بينَنا من يصنعُ الحياةَ بيدٍ مكسورةٍ وقلبٍ مطعونٍ.
المرأةُ التي خَذَلَها الجميعُ… فصارتْ هيَ الجميعَ،
أقدسُ خَلقِ اللهِ وأشرفُهم،
التي حوّلتْ وجعَها وطنًا يسكنُهُ أبناؤُها،
وسُطورَ حكايتِها تُكتَبُ لا بالحبرِ، بل بالدّمعِ والكرامةِ.














