# من أول السطر
إلي أين يتجه العالم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي فائقة التطور، متسارعة الخطا والمستجدات في سباق محموم مع المتغيرات الزمانية والمكانية، وله أبعاد أخلاقية وإنسانية ووجودية متابينة الأهداف والرؤي والقناعات.
ومن آن لآخر تدق أجراس الخطر حول حقيقة الصراع بين الإنسان والآلة في صورتها العصرية ،ويطرح الباحثون والمفكرون العشرات من التساؤلات حول مؤشرات الحاضر وتوقعات المستقبل مع الغد الإصطناعي ، ومن الفائز ومن الخاسر في معركة الذكاء الاصطناعي باستثماراته الضخمه وأدبياته المعاصرة وقوانينه الجديده التي تجاوزت كل التحديات والعوائق.
ومن بين الأسئلة المطروحة علي موائد النقاش وتبحث عن إجابات مقنعة وردود شافية ..هل كل هذه المقدمات والقفزات التنكولوجية لدنيا الذكاء الاصطناعي تصب في تعزيز ما هو كائن بالفعل، وكشف اللثام عن ملامح مرحلة “ما بعد الإنسان”، وفقا لمتطلبات تكنولوجيا الإنسان البديل!.
وانطلاقا من معطيات الواقع، فلا ريب أن من أهم ملامح هذه المرحلة : تسريع التحركات في الوظائف، عن طريق توفير الوقت والجهد والنفقات وأتمتتة المهام الروتينية التي لا تتطلب تغييرا أو إبداعا، وتحسين اتخاذ القرارات عبر تحليل كميات هائلة من البيانات والمعلومات بدقة وسرعة، وربما القضاء علي وظائف عديدة وخلق بعض الوظائف الجديدة كمهندسي برمجيات الحاسوب، ومبتكري أدوات الذكاء الاصطناعى، والمتخصصين في تصميم واختبار وتطوير صيانة أنظمة البرمجيات، وغيرهم.
وفي وقت يعلن البعض عن التحفظ الجزئي أو التام حول توظيف تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي في بعض الوظائف يسارع آخرون إلي الاستفادة القصوى من تطبيقاته وايجابياته، في بعض المهام والوظائف المرموقة، والتي تتطلب الشفافية والدقة والموضوعية بعيدا عن الأهواء والعاطفة والنفعية المطلقة.
فهل تخيلت يوما أن يصل الذكاء الاصطناعي إلي هذا الدرجة من التغلغل في مختلف شؤون الحياة الرقمية..وهل تصورت أن تجد موظفي الخدمات بصورها المختلفة هو “روبوت” ذكي، أو مجرد آلة تتبادل معك الحديث وتنهي كافة معاملاتك وترد علي كافة إستفساراتك دون ضجر أو ملل أو نسيان أو خطأ، أو أن يكون الوزير أو المحافظ مجرد كيان افتراضي اصطناعي، لكنه ربما يكون مجردا من العاطفة والإنسانية، لكن حتما لا يفقد الحياد وقيم النزاهة والموضوعية.
ووفقا لهذه الاتجاهات ظهرت دعوات لرقمنة الوزرات المعنية بشؤون الاقتصاد والتخطيط وغالبية الوزارات الخدمية المنوط بها تسيير الحياة اليومية وإيجاد حلول وبدائل استراتيجية للتعامل مع كافة المشكلات والشكاوي والمقترحات وفقا للمتغيرات والمستجدات.
ويري بعض الخبراء أن هذه الرقمنة الوزارية عملية تطبيق للتكنولوجيا الرقمية في عمل الوزراء والوزارات، بهدف تحسين كفاءة العمل وزيادة الشفافية.
ومن المتوقع أن تشمل رقمنة الوزارات:
ـ تعميم الخدمات الإلكترونية: عن طريق تقديم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت.
ـ البيانات المفتوحة: نشر البيانات الحكومية بصورة شفافة.
ـ استخدام التحليلات المتقدمة لتحسين اتخاذ القرارات المناسبة.
ـ استخدام وسائل التواصل الرقمي مع المواطنين.
ومن الفوائد المرجوه لرقمنة عمل الوزراء:
ـ تحسين الكفاءة: حيث يمكن أن تزيد من كفاءة العمل وتقليل الوقت والجهد.
ـ زيادة معايير الشفافية و تعزيز المسؤولية.
ـ تحسين تجربة المواطن في التعامل مع الحكومة.
ـ تعزيز المشاركة المجتمعية والتواصل الفعال مع المواطنين.
ويري بعض المختصين أن هناك تحديات ستواجه فكرة رقمنة الوزراء ينبغي التغلب عليها أولا من بينها:
-إعداد البنية التحتية: تحتاج إلى بنية تحتية رقمية قوية.
ـ المهارات الفائقة : حيث تتطلب مهارات رقمية وجدارات مهنية لدى الموظفين.
ـ الأمان السيبراني والمعلوماتي : تحتاج إلى ضمان أمان البيانات والخدمات الرقمية.
ـ التغيير الثقافي: ثقافة رقمنة الوزراء تتطلب تغييرا ثقافيا لدى الموظفين والمواطنين.
وبصورة عامة وفي تقديري أن استراتيجية رقمنة الوزارات الحكومية وحوكمة عمل الوزراء يمكن أن تساعد في تحسين كفاءة العمل وزيادة الشفافية، ولكنها تحتاج إلى إدارة تتسم باليقظة والحكمة، وتخطيط استراتيجي مغاير وتنفيذ دقيق ومتابعة وتقييم مستمرين.
وفي هذا السياق وسيرا علي هذا الاتجاه أعلنت ألبانيا مؤخرا عن أول تجربة تنفيذية لتعيين تجربة أول “وزيرة رقمية” تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك في إطار مساعيها لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
وتطمح حكومة ألبانيا من خلال هذه التجربة إلى إحداث تحول جذري في الإدارة العامة، وجعل البلاد نموذجا للحكم الرقمي الخالي من التجاوزات.
تعمل الوزيرة الرقمية بالذكاء الاصطناعي عبر تزويد برمجيتها بكمّ هائل من البيانات الحكومية، القوانين، اللوائح، تقارير المراجعة، وإحصاءات القطاعات المختلفة.
وبحسب شبكة “يورو نيوز” الإخبارية، فإن الوزيرة الرقمية تدعى “دييلا” وتعني الشمس، وبدأت مهامها في توجيه المواطنين حول كيفية استخدام الخدمات الحكومية عبر الإنترنت.
وكشف رئيس وزراء ألبانيا “إيدي راما” عن ضم “دييلا” إلى حكومة بلاده، مؤكدا أن هذا الاختيار للوزيرة هو الأول من نوعه الذي لا يتواجد بشكل مادي، بل هو كيان افتراضي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وسيتم تكليف “دييلا” بجمع القرارات المتعلقة بالمناقصات العامة، بضمان أن تكون هذه المناقصات “خالية تماما من شبهات الفساد”.
وأضاف راما أن كل الأموال العامة التي تعرض في المناقصات ستكون “ذات مصداقية بنسبة 100% وتضمن شفافية كاملة في جميع نفقات الدولة”، لافتا إلى أن عملية اتخاذ القرارات بشأن الفائزين في المناقصات العامة ستتم تدريجيا عبر إبعاد الوزارات الحكومية عن هذه المهام.
وعبر وزارة “دييلا “، من المقرر أن تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات ورصد الأنماط، مثل: مؤشرات الفساد، التلاعب بالعقود، أو تأخير تنفيذ المشروعات.
كما يمكن أن تتفاعل مع المواطنين عبر منصات رقمية (مواقع إلكترونية، تطبيقات، روبوتات محادثة) للرد على الاستفسارات وتلقي الشكاوى.
وتأتي هذه الخطوة ضمن جهوده لتحديث هياكل الحكومة الألبانية وتحقيق إصلاحات جذرية في محاربة الفساد.
ومنذ إطلاقها، تم تصوير “دييلا” على أنها امرأة ترتدي الزي التقليدي الألباني، لكن من غير الواضح ما إذا كان الشكل الظاهري للوزير الرقمي سيظل كما هو أم سيتم تغييره في المستقبل؟!
ويوما بعد يوم تبلغ العلاقة بين الإنسان وأنظمة الذكاء الاصطناعي وتجلّياتها المختلفة عمقا غاية في التعقيد يصل إلى حالةٍ من التعايش والتداخل بين الإنسان والنظام كتقنية رقمية لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل، وهو ما يفتح الطريق لاحتمالية اقتحام العوالم الشعورية للإنسان بدرجةٍ أو بأخرى.
وفي هذا الشأن كشفت عدة دراسات أن هذا الاقتحام قد خلق حالةً من “الشعور الهجين”؛ المتداخل والمتقاطع بين الوجدان الإنساني والذكاء الاصطناعي. بلغةٍ أخرى، بين ما هو تجربة شعورية إنسانية من جهةٍ، وبين ما هو محاكاة رقمية منظوميّة من جهةٍ أخرى.
ووفقا لخبراء الذكاء الاصطناعي سيترتّب على هذا الشعور المختلط ـ أردنا أو لم نُرِدْ ـ صياغة جديدة للوجدان الإنساني حيث يتعذّر فيه الحدود بين التجلّيات الشعورية الإنسانية وبين التجلّيات الشعورية “الذكائية” الاصطناعية؛ خاصةً إذا ما توفّرت في تلك العلاقة المتداخلة الإنسانية والاصطناعية كل أنماط المشاعر الإنسانية، كذلك، إذا ما تمّ تصميم تطبيقات ـ وهو ما تمّ ويتمّ بالفعل ـ تؤمّن بتقديم المشورة، والدعم النفسي، والصداقة الافتراضية، والرفقة الاصطناعية، وشراكة المحاكاة، ومواجهة العزلة التي تفرضها مجتمعات ما بعد الحداثة.
وما بين حقائق الأمس واليوم والغد القريب يبقي تساؤل مهم : إلى أي حدّ تستطيع الإنسانية مواجهة اجتياح الذكاء الاصطناعي لشعور الإنسان ،إلّا أنّه، وفي مقابل ما قد يبدو مُفيدا للبشر، هناك أيضا ما قد يؤثّر سلبا على البشرية بفعل: “تسليع” المشاعر حين تتحوّل المشاعر إلى رأس مال بياناتي، تخضع لعمليات الشراء والبيع التقليدية مثل التي تمارَس مع السلع المادية المختلفة.
وتشير دراسة صادرة في 2023 أنّ السوق العالميّة لتقنيات تحليل العاطفة قد قارب الـ50 مليار دولار، تتناول محاورها التلاعب بالمشاعر، استبدال الإنسان بالنظام الذكي، التراجع التاريخي للتواصل الإنساني الحي، هندسة العلاقات الإنسانية.. إلخ.
أما بعد، وربّما يكون السؤال المُلحّ هو : هل تستطيع الإنسانية في المدي المنظور أن تحافظ على استقلالها الوجودي: الوجداني والمادّي؛ في مواجهة طغيان الذكاء الاصطناعي علي الشعور الإنساني، أي مواجهة الاغتراب الشعوري، حيث تصبح المشاعر الإنسانية تُنتج وتُدار عبر أنظمة خارجية.. كذلك، كيف يمكن تعظيم الاستفادة من الإمكانيات الفائقة لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
ورغم هذه الفوائد الجمة لأدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في سبيل الإحلال والتجديد مع العنصر البشري في صالح “الإنسان الرقمي الجديد”، والذي يبدو أنه أكثر إلتزاما وإنتاجا، وربما إبداعا، تبقي فكرة التواصل الإنساني والشعور والتفاعل اللحظي والآني والعمل بروح القوانين وجوهرها الوجداني، بعيدا عن لوائحها الصماء، وهو أمر يتطلب الحسم قبل أن نصل إلي حياة بلا إنسانية ومجردة من المشاعر والأحاسيس الوجدانية.. فهل يرفع البشر الرايا البيضاء ، اعترافا بتفوق هذا “الإنسان الموازي”،هذا ما ستكشف عنه الأيام.
#/














