بقلم : د.ياسمين جمال
(دكتوراه الإعلام التربوي ، جامعة عين شمس)
لم يعد الإعلام في عصرنا الحديث مقتصرًا على القنوات التلفزيونية أو الصحف الورقية، فقد ظهرت قوة جديدة تسحب البساط من المنصات التقليدية، وهي المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي. هؤلاء الذين يمتلكون ملايين المتابعين، ويشكلون بآرائهم واتجاهاتهم جزءًا كبيرًا من وعي الجمهور، وخاصة فئة الشباب.
ومع انتشار هذه الظاهرة، برزت تساؤلات مهمة: هل يستخدم المؤثرون تأثيرهم في نشر الوعي والمصداقية؟ أم أن الاستعراض والبحث عن الشهرة أصبح الهدف الأول؟.
لقد تحول كثير من المؤثرين إلى صُنّاع للرأي العام، فهم لا يكتفون بمشاركة تفاصيل حياتهم، بل يوجّهون المتابعين نحو سلوكيات، وقناعات، بل وأحيانًا قرارات شرائية أو اجتماعية.
وبذلك أصبح تأثيرهم أكبر مما نتخيل، إذ إنهم يدخلون بيوت الناس من خلال هواتفهم في أي وقت، دون قيود أو ضوابط واضحة. ومن هنا تأتي خطورة هذا الدور، لأن المتابع ـ خاصة إذا كان صغير السن ـ قد يصدق كل ما يراه دون وعي أو تحليل.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن بعض المؤثرين قدّموا محتوى هادفًا ومؤثرًا بالفعل، ساهم في نشر الوعي بقضايا إنسانية واجتماعية وصحية، واستطاعوا أن يكونوا قدوة إيجابية في مجتمعاتهم. ولكن في المقابل، هناك من حوّل منصات التواصل إلى مسرح استعراض، يعتمد على المبالغة والإثارة لجذب المتابعين بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب القيم والمصداقية. وهنا تتشكل الفجوة بين “التأثير الحقيقي” و”التأثير المزيف”.
فإنّ المصداقية هي حجر الأساس في أي رسالة إعلامية، سواء صدرت من صحفي محترف أو من مؤثر على الإنترنت. فحين يفقد المحتوى صدقه، يصبح مجرد ضوضاء رقمية لا قيمة لها. لذلك، فإن على المؤثر أن يدرك أنه لا يخاطب جمهورًا عابرًا، بل عقولًا صغيرة وأجيالًا تنشأ على ما يشاهدونه. ومسؤوليته هنا مضاعفة، لأن كلماته وصوره قد تترك أثرًا طويل الأمد في فكر وسلوك متابعيه.
بالإضافة إلى ذلك، يقع على الأسر دور مهم في توعية أبنائهم بكيفية التعامل مع ما يشاهدونه من محتوى. فالحوار العائلي حول ما يُعرض على وسائل التواصل، وتشجيع الطفل أو المراهق على التفكير النقدي، يساعده على التفريق بين الحقيقة والتمثيل، وبين من يقدم رسالة ومن يبحث عن شهرة. كما أن المدرسة والإعلام الرسمي يجب أن يسهما بدور توعوي واضح، يرسّخ في الأذهان أهمية التفكير قبل التصديق، ويعزز قيم الوعي والمسؤولية في التعامل مع الإعلام الرقمي.
كذلك ينبغي أن تتحمل المنصات الرقمية نفسها جزءًا من المسؤولية، من خلال ضوابط أكثر صرامة للمحتوى المضلل، ومراقبة المواد التي قد تؤثر سلبًا على وعي الشباب أو قيم المجتمع. فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح قوة قادرة على تشكيل الاتجاهات والأفكار، وبالتالي يجب أن يُمارس هذا الدور بوعي وأخلاق.
لذا، يمكننا القول إن المؤثر الحقيقي هو من يستخدم صوته ووجوده الرقمي في خدمة الناس، لا في استغلالهم. هو من يجعل من الشهرة وسيلة لنشر القيم والمعرفة، لا أداة للسطحية أو التباهي. وبين المصداقية والاستعراض، تبقى المعركة مفتوحة، ولكن وعي الجمهور وقدرته على التمييز سيحددان من يستحق البقاء والتأثير في المستقبل.














