بقلم: د. لمياء محسن
(دكتوراه الإذاعة والتلفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة)
في المرات الأولى التي تعاملت فيها مع الذكاء الاصطناعي، كنت أشعر أني أمام مساعد ذكي، مهذّب، صبور، يعرف كل شيء ولا يملّ من الأسئلة.
لكن مع الوقت، بدأ السؤال يُلحّ عليّ:
من الذي يكتب الآن؟ أنا أم هو؟
ومن الذي يفكر فعلًا؟ أنا التي أوجّه، أم هو الذي يعيد صياغة أفكاري بطريقة ربما أفضل مني؟
وفجأة، بدأ المشهد وكأنه جريمة فكرية غير معلنة.
من السارق؟ ومن الضحية؟.
هل أنا التي استعنت به لأكتب، أم هو الذي تسلل إلى لغتي واحتلّها بهدوء؟
هل مجرد استخدام أداة ذكاء اصطناعي يجعل الإنسان أقل ذكاءً؟.
وهل صار الإبداع يُقاس بنوع القلم، لا بعمق الفكرة؟.
في السنوات الأخيرة، تسارعت الأحكام المسبقة: كل من يستخدم الذكاء الاصطناعي يُتَّهم بأنه فقد موهبته، وكأن الإبداع حكر على من يكتب بيديه فقط، لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
الذكاء الاصطناعي لا يعرف عن ماذا يكتب ولا لماذا. هو أداة تنتظر توجيه الإنسان من حيث: الفكرة، الزاوية، النغمة، الهدف. ومن دونه، يظل كتلة لغوية منظمة لكنها بلا روح.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل الإبداع في الصياغة وحدها، أم في الفكر الذي يقودها؟
من يقود من؟.
هذه هي النقطة الفاصلة في الحكاية.
الإبداع لم يكن يومًا حِرفة اليد فقط، بل حرفة العقل. الكاتب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لا يفقد دوره،بل ينتقل إلى دور جديد: دور المايسترو. هو لا يعزف بنفسه كل آلة، لكنه يعرف متى يدخل كل صوت،وكيف يخرج اللحن في النهاية صادقًا ومتناسقًا.
إن الذكاء الاصطناعي لا “يبدع” بل “يطيع”، ينفذ ما يُطلَب منه، يختار بناءً على ما توجّهه إليه، يُعيد ترتيب أفكارك، لكنه لا يستطيع أن يبتكر رؤيتك. وبالتالي، من يقود فعلاً هو الإنسان — إن اختار أن يبقى في مقعد القيادة.
حين نقول ان من استخدم الذكاء الاصطناعي “حرامي”، فنحن نتجاهل أن الأداة لا تفعل شيئًا من تلقاء نفسها. الذكاء الاصطناعي لا يكتب شعرًا لأنه شاعر، ولا يصيغ مقالًا لأنه مفكر، بل لأنه استقبل من الإنسان الفكرة والنية والاتجاه.
السرقة الحقيقية ليست في استخدام الأداة، بل في التنازل عن التفكير. في أن نطلب من الآلة أن تفكر عنا بدل أن تساعدنا في تفكيرنا. حين نكتفي بنص جاهز دون أن نضيف له من وعينا شيئًا، عندها فقط يمكن أن نُتَّهم بالسطو — لا على الكلمات، بل على الإبداع نفسه.
في الحقيقة الذكاء الاصطناعي لا يسرق أحدًا، هو فقط يعكس من أمامه، إن قدّمت له سؤالًا ذكيًا، عاد إليك بفكرة أعمق، وإن قدّمت له جملة باهتة، أعادها إليك مُزيّنة لكنها فارغة.
إذن هو مرآة تفضح من يقف أمامها:
تعكس فكر المفكر، وسطحية المستهلك، وكسل الكسول.
فمن يدخل إليه بعقل يقظ يخرج أكثر وعيًا، ومن يدخل بلا وعي يخرج بنص جميل لكنه بلا هوية.
الحل إذن ليس في محاربة الذكاء الاصطناعي، ولا في رفضه، بل في قيادته بوعي.
أن نستخدمه أداة لا عقلًا بديلاً.
أن نُدخله في مرحلة الإلهام لا الإنتاج الكامل.
أن نكتب ثم نستعين به، لا أن نطلب منه أن يكتب ثم نُدخِل نحن التعديلات التجميلية.
لأن الكتابة ليست فعل إنتاج، بل فعل حضور.
كل مرة نكتب فيها جملة خرجت من تجربتنا أو من وجع شخصي، نثبت أننا ما زلنا القائد.
وكل مرة نسمح له بأن يُفكر بدلًا منا، نخسر جزءًا من إنسانيتنا الفكرية.
في الختام، علينا أن نفهم أن القضية ليست صراعًا بين الإنسان والآلة، ولا اختبارًا لتحديد من هو الكاتب “الأصلي” ومن هو “الدرجة الثانية”. المسألة ببساطة ليست معركة نجوم، بل معركة نتائج.
ما يهم في النهاية هو المنتج نفسه — الفكرة التي خرجت للنور: هل كانت مكتملة؟ هل أضافت جديدًا؟ هل أنارت شيئًا في وعينا؟ فالكتابة ليست استعراضًا للمهارة بقدر ما هي خدمة للفكرة. وإذا خرج النص صادقًا ومضيئًا، فليكن القلم خشبيًّا أو رقميًّا، ما دام الفكر الذي قاده بشريًّا.
لذا في المرة القادمة وقبل أن تصرخ: امسك حرامي!
ربما عليك أن تسأل أولًا: من الذي فكّر؟ من الذي قاد؟
ومن الذي ترك الباب مفتوحًا… وخرج؟.













