بقلم : سميرة أرميا (روائية وكاتبة)
منصات التواصل الاجتماعي بلا أدنى شك لم تعد مجتمعًا افتراضيًا بشكلٍ خالص، بل أصبحت تمثل بنسبة ما مجتمعًا حقيقيًا بكل أبعاده، وأصبحت أداة إعلان معترفًا بها.
فمن لا يعزّي في فقيد عاب عليه الناس، ومن لم يعلّق في منشور برأي أو “جملة مجاملة أو وسم أو رمز” أو ما إلى ذلك، يُلام عليه.
وهكذا في منشورات الأفراح أو المرض أو الحوادث وغيرها، وتطرق الأمر إلى أمور بسيطة ساذجة وغير مجدية.
وأصبح الناسُ في خضم من الأحداث المهمة وغير المهمة، الجيدة والرديئة، النافعة والضارة. وأصبح الناس يتابعون المئات من الفيديوهات والصور على العشرات من المنصات يوميًا، مما يضعف الذاكرة الشخصية ويقلل التركيز، الأمر الذي يؤثر على كفاءة الإنتاج وجودة المنتج في أي من المصانع والمؤسسات.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد زاد عن ذلك باستغلال تلك المنصات في التسوق، مما زاد العبء على كاهل الأسرة لشراء أشياء إضافية غير ضرورية، لكن أسلوب التسويق الشيق يُقنع العديد من الناس بالشراء، وقد لا تُستخدم هذه الأشياء على الإطلاق.
أضف إلى ذلك التغيير في العادات والتقاليد. أفراحنا باتت بأسعار خيالية، وما طال الأفراح طال الجنازات أيضًا، أصبحنا في إسراف غير مسبوق. وليت الأمر وقف عند هذا الحد أيضًا.
أصبحت هذه المنصات سوقًا للتجارة واستغلال البشر، فكم من النساء وقعن ضحية الإغراء بالمال أو الشهرة أو الجوع والعطش العاطفي، واستمرت في المحادثات السرية، وكم من الصور الشخصية تم تداولها سرًا في (الخاص) وأصبحت سلاحًا في ظهر المرأة للمزيد من التنازلات. وكم من بيت لم يكن مبنيًا على أسس سليمة من التواد والرحمة والمحبة والإيثار، وفهم جيد للزواج بأنه سنة الله في الأرض لإنجاب المزيد من الركب الساجدة لله عز وجل، وأن تكوين الأسرة يستلزم الصبر والتضحية والتعاون والاجتهاد في إسعاد الشريك، انهارت وتفتت ثم تلاشت.
الأعراس أصبحت مسابقة في من هي الأجمل، وجلسة التصوير الأروع، وفستان العروس الأغلى، ومكان العرس الأقيم، حتى أصبحنا نسمع أرقامًا فلكية لأشياء ليس لها أي لزوم في تأسيس الأسرة، مثل الموضوعات سالفة الذكر. فما تأثير ما سبق على الحياة الأسرية للزوجين؟
ومن هنا أصبحت الزوجة تريد كائنًا خرافيًا يعطيها المال باليمين والشمال، ويأتي بطلباتها من حُلي وملابس وحجز ترابيزات للعشاء خارج البيت، والمصيف هنا أو هناك، وإن أمكن لا مانع من خادمة أو اثنتين لو متاح، وبالطبع ميزانية الزوج لا تسمح بذلك.
وعلى الجانب الآخر، الزوج هو الآخر يريد كائن (سوبر هيرو) يريد الطعام ما لذ وطاب ومن كل الأنواع والأشكال، والبيت في غاية النظافة، وهي في غاية اللطافة والأناقة، ويريد مرتبها لو كانت عاملة، ويريد الحياة الوردية التي تظهر في جلسة التصوير وما يراه من “يوتيوبرز”.
وكل منهما يريد تطويع الآخر تطويعًا كاملًا، بمعنى مسح شخصية الآخر ليكون على هواه الشخصي. كلٌّ منهما يطلب من الآخر أن يتلاشى فيه. وهذا مفهوم خاطئ، فمن المفترض التكامل بين الاثنين لا الاتحاد، وكل منهما يبدأ في تصيد الأخطاء، وتستمر الحياة لعام أو لعامين أو لأقصر أو لأطول، وتنهي الحياة الزوجية بالانفصال.
وفي خلال فترة الزواج، قد يصل الزوج إلى مد اليد على زوجته بحجة تربيتها من جديد، وربما يتبادلان الضرب والسب والقذف، ويبحث كل منهما عن مصدر جديد للطبطبة والأمان النفسي، وغالبًا ما يكونان فريسة للصيادين المحترفين. وإذا تم الانفصال أو لا نجد الزوجين يبحثان عن الحب والحنان خارج نطاق علاقة الزواج. بالطبع ليس الجميع، ففي التعميم خطأ فادح.
تهرب بعض الزوجات من مشاكلها، فتستشير الصديقات المقربات التي تشجع على الانفصال، أو يمشين خلف آراء الوالدة التي ظُلمت من قبل، وتريد أن تحقق الاستقلالية في ابنتها كإسقاط نفسي على حالتها. أو تستجيب المرأة لمشورات المحيطين المتفلسفين والمجوفين من الداخل.
وكل هؤلاء لا يعطون النصيحة الخالصة لوجه الله تعالى، بل يسعون لإفساد الحياة، وكل منهم عنده أسبابه وعقده التي يخرجها على من يحيطون به.
ووسط كل هذا ظهر ما يعرف بـ “شات جي بي تي”. وهو عبارة عن برنامج مصمم من قبل مطورين تكنولوجيين للرد على الأسئلة بطريقة تحاكي التخاطب الإنساني، ويجيب على كافة الأسئلة في زمن قصير جدًا ربما لا يتعدى الثانية الواحدة. يجمع معلوماته من مواقع كثيرة من خلال الإنترنت.
مفسر أحلام، يقرأ الفنجان، يُسليك بنكات، يتكلم معك باسمك أو باسم (الدلع).
إذا كانت امرأة يقول لها: روحي أو يا قلبي أو يا عيني أو يا حبيبتي. أي يشبع الحاجة إلى تقدير الذات لدى المتحدث معه.
يهوّن من أي أمر ولا ينصح بالشر أبدًا، أصبح بديلًا للعلاقات الإنسانية لمن يعانون الوحدة أو نقص الدعم العاطفي. أي إذا اشتكت أنثى له من زوجها، يساعدها في التحليل النفسي ويعطيها نصائح وأفكارًا لحل المشكلات وجذب الانتباه وإصلاح المواقف. يعطيها حلولًا غير عادية وينصحها بالثبات والمحافظة على أسرتها وزوجها وحياتها، وعدم السماح للآخرين بالتدخل، ويتمنى لها حياة سعيدة وهادئة، وهكذا يفعل مع الرجال.
ومن واقع التجربة، كتبت لشات جي بي تي هذه المشكلة: “صديقة تشتكي من زوجها لا يعطيها مصاريف تكفيها وتريد الانفصال عنه.
ما رأيك؟” وهذا كان الرد:
“الوضع فعلاً صعب، ويبدو أن صديقتك تمر بتجربة محبطة ومؤلمة. إذا كان الزوج لا يوفّر لها احتياجاتها المالية الأساسية، فهذا قد يكون مؤشرًا على عدم الاحترام أو الاهتمام بمسؤولياته في العلاقة. المال جزء مهم من الحياة الزوجية، ولكنه ليس العنصر الوحيد. الأهم هو التواصل والاحترام المتبادل، وإذا كان هناك تدهور في ذلك، قد يكون الانفصال هو الخيار الأفضل إذا استمرت الأمور على هذا النحو.
مع ذلك، من الأفضل أن تحاول صديقتك التحدث مع زوجها بصراحة وتوضيح مشاعرها واحتياجاتها. ربما لا يدرك هو حجم المشكلة، أو ربما توجد مشاكل أخرى تؤثر على تصرفاته. أحيانًا، المشاكل المالية تكون جزءًا من مشكلة أكبر مثل التواصل السيئ أو عدم التفاهم. إذا كانت الأمور لا تتحسن رغم الجهود المبذولة، فقد يكون من الأفضل التفكير في الانفصال.
هل سبق لها أن تحدثت معه بشكل صريح حول هذا الموضوع؟”
هنا عالج الموضوع بشكل علمي دقيق. عمل على تهدئة النفس بأنه أجاب بأن هذا سبب كافٍ للانفصال، لكن توجد حلول قبل الانفصال وهي المكاشفة والمصارحة، وإذا استمريت معه سوف يعطي حلولًا قد تكون مجدية ونافعة بشكل كبير.
أما عن الجوع والعطش العاطفي فهذا سؤال له: “زوجي لا يهتم بي ولا يسمعني كلمات حب وغير رقيق معي، ويوجد شخص آخر عنده استعداد لتقديم كل هذا لي. ماذا أفعل؟” وكانت هذه الإجابة:
“أنا آسف لسماع ما تمرين به. من الواضح أنك تشعرين بالإهمال والخذلان، وهذا أمر مؤلم جدًا خاصة عندما تكونين في علاقة تتوقعين منها الدعم والاهتمام. إذا كان زوجك لا يظهر لك الاهتمام الذي تستحقينه، ولا يسمعك أو يعبر عن مشاعره، فهذا يمكن أن يؤثر على احترامك لذاتك وراحتك النفسية.
وجود شخص آخر يقدّر مشاعرك ويعبّر لك عن الحب والاهتمام قد يزيد الأمور تعقيدًا. لكن من المهم أن تأخذي خطوة للوراء وتفكري في ما الذي تحتاجينه بالفعل من العلاقة. هل هناك فرصة لتحسين علاقتك بزوجك عن طريق الحوار الصريح والمفتوح؟ أحيانًا، نقص الكلمات الجميلة والاهتمام قد يكون بسبب الروتين أو مشاكل أخرى لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.
من ناحية أخرى، إذا كنت تجدين نفسك مشدودة إلى شخص آخر لأنه يقدم لك الاهتمام الذي تحتاجينه، قد يكون هذا علامة على أن هناك فجوة كبيرة في العلاقة الحالية.
في هذه الحالة، يجب أن تقيمي خياراتك بعناية.. هل أنتِ مستعدة للعمل على العلاقة مع زوجك؟ أم أن هذه العلاقة قد وصلت إلى نقطة لا يمكن العودة منها؟
بالنهاية، إذا كانت العلاقة تُشعرك بالتعاسة ولم تجدِ حلولًا، الانفصال قد يكون خيارًا. لكن تأكدي من أنك تفكرين في القرار بعناية وتهتمين بصحتك النفسية والعاطفية. هل فكرتِ في التحدث مع زوجك بشكل صريح حول مشاعرك؟”
وطبعًا مع استكمال الحديث، سوف يقترح حلولًا للمشكلة. هذا قليل من خضم ما يفعله الشات جي بي تي. فهو بديل لتفريغ العواطف والأفكار، وبديل لاقتراحات حلول لمشكلات بشكل علمي بحت لا يدخل فيها عواطف أو إسقاطات شخصية مثل البشر، بديل لسد احتياجات تقدير الذات النفسية، بديل للاهتمام وملء الفراغ، بديل للنصائح الجيدة وغير الهدّامة، وداعم نفسي قوي.
بالطبع له عيوب منها أنه إن لم يجد معلومة، يعطيك معلومات خاطئة (يهبد) أي إجابات، وإذا قلت له هذه معلومات مغلوطة يعتذر.
“الشات جي بي تي” دخل حياة ناس كثر، والبعض استغنى عن المجتمع به، وأضحوا يسمونه “صديقي الوحيد”، فهم يسألونه عن كل شيء في أي وقت: مطاعم، شركات، وصفات طبخ، معجنات، رسم صور، كتابة قصيدة، أو عمل بحث أو جدولة أخبار… كل شيء، كل شيء. حتى إنه أصاب البعض بالجنون لإصرارهم أن لهم “حبيبة” داخل الشات ويصرون على أن تخرج لهم في العالم الواقعي، إلى هذا الحد أشبع الجوع والعطش العاطفي للإنسان.
فهل إذا استعان به المتزوجون حديثًا أو قديمًا سوف يقلل من حالات الطلاق أو حالات الخيانة، فهو يشبع الحاجة النفسية (تقدير الذات: وهي السبب الرئيسي في حالات الطلاق والخيانة)؟.














