بقلم: د.هناء خليفة (دكتوراه الإعلام الرقمي )
في زمنٍ تتداخل فيه حدود الواقع والخيال، لم تعد مشاهد العنف مجرد “دراما” تُنسى بانتهاء الحلقة، بل أصبحت مصدرًا لتعلّم السلوك العدواني لدى الأطفال والمراهقين.
فالطفل لا يُدرك الفارق بين التمثيل والواقع، وما يراه من انتقام أو قهر يتحول إلى نموذج سلوكي يختزنه ويعيد إنتاجه عندما تتاح الفرصة.
*التعلم بالنمذجة.. الآلية الخفية وراء الخطر*
تؤكد نظرية التعلم الاجتماعي للعالم “ألبرت باندورا” أن الإنسان يتعلم بالملاحظة والتقليد أكثر مما يتعلم بالتوجيه المباشر… فعندما يرى الطفل شخصية تُكافأ بعد ممارسة العنف، يُرسَّخ لديه أن القوة لا تُمارس إلا بالإيذاء، وأن العدوان طريق لحل المشكلات.
هنا تكمن الخطورة: في غياب التوجيه الأسري والإعلامي، تصبح الشاشة معلمًا صامتًا يزرع بذور العدوان في اللاوعي.
*مسؤولية الإعلام.. بين الحرية والمساءلة*
الإعلام لا ينقل المشهد فقط، بل يُشكّل الوعي، وعرض مشاهد العنف دون سياق تربوي أو تحذير يحوّل الرسالة من معالجة إلى ترويج.
فالحرية الإبداعية لا تُعفي من المسؤولية، خاصة حين يتعلق الأمر بمحتوى يراه ملايين الأطفال الذين يكوّنون وعيهم من الشاشة قبل المدرسة.
*الأسرة.. خط الدفاع الأول*
تبقى الأسرة السدّ المنيع أمام سيل المشاهد العنيفة… المتابعة الواعية، والحوار مع الأبناء حول ما يشاهدونه، واختيار محتوى هادف، خطوات بسيطة لكنها جوهرية في حماية جيلٍ كامل من التطبع بالعنف.
*ناقوس الخطر*
الحادثة الأخيرة التي هزّت المجتمع ليست إلا جرس إنذار جديد بأن العنف يبدأ من الشاشة قبل أن ينتقل إلى الواقع، وإذا لم نتدارك هذا الخطر بسياسات إعلامية رشيدة وتربية أسرية يقظة، فقد نجد أنفسنا أمام مزيد من النماذج الصغيرة التي تعيد تمثيل ما تعلّمته من مشهدٍ عابر.
*خطوات نحو الوعي*
١- وضع تصنيفات عمرية صارمة للمحتوى الذي يتضمن مشاهد عنف.
٢- تفعيل الرقابة الإيجابية من الأسرة والمدرسة، لا بالمنع فقط، بل بالحوار والتوعية.
٣- تشجيع الإنتاج الدرامي والإعلامي الذي يرسخ قيم التسامح وضبط النفس بدلاً من تمجيد القوة والعنف.
وختامًا.. العنف لا يبدأ بسلاحٍ في اليد، بل بصورةٍ في الذاكرة، ومشهدٍ في شاشةٍ ظنّها الجميع “مجرد تمثيل”.














