بقلم: مدحت الشيخ
(باحث في الشؤون السياسية والإقتصادية)
منذ اللحظة الأولى التي وُلدت فيها القضية الفلسطينية، كانت مصر هي القلب النابض لها، لا تكتفي بالمراقبة من بعيد، ولا تتعامل معها كملف خارجي على مائدة الدبلوماسية، بل كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وامتداد طبيعي لضميرها الوطني.
لم تكن مصر يومًا ترفع شعارًا بلا فعل، ولا تتحدث عن فلسطين إلا وهي تتحمّل كلفتها. فالتاريخ وحده يشهد أن الدم المصري سال على أرض فلسطين أكثر من مرة، دفاعًا عن حقٍ عربيٍ لم يكن يومًا موضع مساومة. من حروب 1948 و1956، إلى نكسة 1967، ثم نصر أكتوبر 1973، كانت القاهرة تقاتل بالرصاص حين يُغيب المنطق، وتُفاوض بالعقل حين يعلو صوت المدافع.
القضية الفلسطينية لم تكن بالنسبة لمصر مسألة حدود أو شعارات قومية، بل كانت ،وما زالت قضية إنسانية في المقام الأول. مصر التي احتضنت الفصائل، واستضافت المفاوضات، وجمعت الأضداد على طاولة واحدة، لم تفعل ذلك بحثًا عن دورٍ أو دعاية، بل لأنها تدرك أن غياب الاستقرار في فلسطين يعني اهتزاز الإقليم كله، وأن أمن غزة هو امتداد لأمن سيناء، وأن نار الاحتلال إن اشتعلت هناك فلن تتوقف عند الحدود.
على مدار عقود، تغيّرت الوجوه، وتبدّلت الأنظمة، ومرّت المنطقة بعواصف من التحولات، لكن الثابت الوحيد كان الموقف المصري: دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتمسك بالحل السياسي طريقًا وحيدًا يحقن الدماء ويعيد الحقوق.
ولعلّ المتأمل في التحركات المصرية الأخيرة يُدرك أن القاهرة ما زالت وحدها تملك مفاتيح التهدئة والتوازن. فبينما ترتفع الأصوات بالتصعيد، كانت مصر تفتح معبر رفح لتستقبل الجرحى وتُدخل المساعدات، وتتحرك دبلوماسيًا لوقف إطلاق النار، وتُحافظ على خيط التواصل بين كل الأطراف مهما بلغت درجة التوتر.
مصر تعرف أنها تمشي على حبلٍ دقيق، بين مسؤولية الجغرافيا وثقل التاريخ. فلا هي تقبل المزايدة من منابر الشعارات، ولا تندفع وراء حساباتٍ آنيةٍ تضرّ أكثر مما تنفع. بل توازن بين المبدأ والمصلحة، بين العاطفة والحساب، لتبقى بوصلتها ثابتة نحو العدل والسلام الحقيقي لا المزعوم.
إن القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر ليست ورقة تفاوض، ولا ورقة ضغط سياسي، بل هي جزء من وجدان الأمة المصرية.
لذلك، عندما يتحدث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن “حل الدولتين” فهو لا يردد عبارة بروتوكولية، بل يُعبّر عن رؤية استراتيجية متكاملة تدرك أن بقاء الصراع يعني تهديدًا مباشرًا لاستقرار الشرق الأوسط بأسره.
لقد أثبتت التجربة أن مصر لا تبيع المواقف، ولا تشتري الشرعية بالدعاية. فحين التزمت الصمت في بعض اللحظات، كان صمتها موقفًا محسوبًا، وحين رفعت صوتها، كان صداه مسموعًا في العواصم الكبرى. لا تسعى القاهرة لقيادة زائفة، بل تؤدي دورها الطبيعي كـ”الأخت الكبرى” التي تحفظ ولا تهيمن، وتدعم دون أن تُملي.
واليوم، وسط زحام المبادرات، ومزايدات الخطاب، يبقى الموقف المصري هو الأكثر اتزانًا ونضجًا. موقف لا ينجرّ خلف العواطف، ولا يتنازل عن الثوابت. يعرف أن طريق العدالة طويل، لكنه الوحيد الذي لا يضيع فيه الدم سدى.
إن مصر كانت ، وستظل بوابة فلسطين إلى العالم، وصوتها في المحافل الدولية، ودرعها الواقية وقت الأزمات. وإذا كان الزمن قد غيّر خرائط السياسة، فإنه لم يُغيّر حقيقة واحدة: أن القاهرة كانت دائمًا في صف الحق، وأن ضميرها العربي لا يعرف المساومة ،فالقضية الفلسطينية بالنسبة لمصر ليست مجرد تاريخ نرويه، بل التزام نعيشه، ومسؤولية نحملها، ورسالة لا تسقط بالتقادم.
ولهذا سيظل الموقف المصري هو ذاته ما حيينا.














