بقلم ✍️ تسنيم عمار
(باحث ماجستير، نائب مدير المشروعات بالمنظمة العالمية لخريجي الأزهر)
في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات التنظيمية وضغوط العمل، أصبح الاهتمام بالصحة النفسية للعاملين ضرورة استراتيجية، لا مجرد رفاهية. فبيئة العمل المتوازنة نفسيًا تمثل اليوم أحد أهم مقومات النجاح المؤسسي والاستدامة، إذ ترتبط مباشرة بمستوى الإنتاجية، والابتكار، والولاء الوظيفي. وهنا يبرز دور القيادة الواعية بوصفها حجر الزاوية في بناء مناخ عمل صحي ومتوازن.
يقصد ببيئة العمل المتوازنة نفسيًا تلك الأجواء التنظيمية التي يشعر فيها الموظفون بالأمان، والاحترام، والتقدير، ويتمكنون من التعبير عن آرائهم دون خوف أو قلق. هي بيئة تدعم النمو الشخصي والمهني، وتحترم خصوصية الأفراد، وتشجع على التواصل الإيجابي، والتعاون، والتقدير المتبادل.
تلك البيئة لا تُبنى صدفة، بل تُصمم بوعي من خلال ممارسات قيادية متعمدة تهدف إلى حماية الصحة النفسية وتعزيزها في مكان العمل.
ومن هنا تظهر القيادة ودورها في تشكيل المناخ النفسي، فالقيادة ليست فقط إدارة المهام أو تحقيق الأهداف، بل هي قبل كل شيء إدارة للمشاعر، والعلاقات، والدوافع البشرية. فالقائد هو من يملك التأثير الأكبر في الحالة النفسية لفريقه، سواء بشكل مباشر عبر قراراته وسلوكه، أو بشكل غير مباشر من خلال القيم والثقافة التي يرسخها في المؤسسة.
ومن أهم الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها القيادة في هذا الجانب: إشاعة الثقة والأمان النفسي،
فعندما يشعر الموظفون أن قائدهم يتفهمهم ويحترمهم، تقل لديهم مشاعر القلق والتوتر، ويزداد انتماؤهم للمؤسسة. أيضا؛ الاستماع الفعّال والتعاطف، فالقائد القادر على الإصغاء الحقيقي لموظفيه لا يكتشف المشكلات مبكرًا فحسب، بل يمنح العاملين شعورًا بالقيمة والاهتمام. بالإضافة إلى العدالة والشفافية، حيث لا يمكن بناء بيئة متوازنة في ظل غياب العدالة، فالقرارات العادلة والشفافة تحمي من الشعور بالإقصاء أو التمييز، وهما من أكثر مسببات الاحتراق النفسي في العمل. ولا ننسى تشجيع التوازن بين العمل والحياة، فدعم الموظفين في إدارة وقتهم، وتقدير احتياجاتهم الأسرية والشخصية، يسهم في تقليل الإرهاق ويحافظ على الطاقة الإنتاجية على المدى الطويل. والأهم تقدير الجهود والإنجازات، فالاعتراف بالإنجازات، ولو الصغيرة منها، له أثر نفسي كبير في تعزيز الدافعية والثقة بالنفس.
البيئة المتوازنة نفسيًا ليست مجرد مظهر إنساني، بل هي رافعة أداء حقيقية. فالموظفون الذين يعملون في أجواء إيجابية أكثر قدرة على الإبداع، وأكثر التزامًا بالعمل الجماعي، وأقل عرضة للإصابة بالاحتراق الوظيفي. كما تنخفض معدلات الغياب والدوران الوظيفي، مما ينعكس إيجابًا على الاستقرار التنظيمي والكفاءة التشغيلية.
هناك بعض الخطوات العملية المساعدة لبناء بيئة عمل متوازنة نفسيًا: أولها، إجراء تقييمات دورية لرضا العاملين ومستوى الضغط النفسي. ثانيها، تدريب القادة والمديرين على مهارات الذكاء العاطفي. ثالثها، تصميم سياسات مؤسسية واضحة ضد التنمر الوظيفي أو التمييز. رابعها، تعزيز ثقافة الشكر والتقدير ضمن الروتين اليومي للعمل. وأخيرا، تقديم برامج دعم نفسي واستشارات مهنية عند الحاجة.
ختاما، إن خلق بيئة عمل متوازنة نفسيًا هو استثمار في رأس المال البشري، قبل أن يكون مجرد التزام أخلاقي أو تنظيمي. والقيادة التي تعي أن الإنسان هو قلب المؤسسة الحقيقي، هي القادرة على بناء مناخ صحي يُطلق الطاقات الكامنة ويضمن النجاح المستدام.
ففي نهاية المطاف، لا تنجح المؤسسات بعقول موظفيها فقط، بل بقلوبهم أيضًا.














