يا له من زمنٍ تبدّلت فيه الملامح وانقلبت فيه القلوب، حتى غدت البيوت التي كانت تُشبه مواطن الأمان مسارحًا للصراخ، وحقولًا تُزهر فيها الكراهية بدل الورد. ما عادت الدفءَ الذي يُعيد للروح سكينتها، بل صارت مسكنًا للعنف، يختبئ خلف جدرانها وجعٌ لا يُروى، ودمعٌ لا يُرى، ونساءٌ يبتسمن خوفًا كي لا يُثيرن غضبًا أعمى لا يعرف رحمةً ولا رجولة.
أيُّ جرحٍ هذا الذي أصاب مجتمعنا حتى صار القتل لغة الحوار؟ كيف استطاع الغضب أن يسكن العيون حتى بات يسبق الحنان إليها؟ رجلٌ يقتل زوجته كأنها عدوٌّ، وزوجٌ يُلقي بامرأته من الشرفة كما تُلقى الأشياء القديمة التي ملّها، وآخر يخنق أمَّ زوجته في لحظة فقدٍ للعقل والضمير، وكأنّ الدم لم يعد محرّمًا، وكأنّ الأنثى لم تكن يومًا سكنًا ورحمة.
يا ويح القلوب التي قست حتى جفّت منها الرفقة! ويا لوعة البيوت التي فقدت حُسنها حين ماتت فيها الكلمة الطيبة! ما عدنا نرى المودّة تُقيم بين الناس، ولا الحياء يزهر في الوجوه، ولا الرحمة تُسكن الضلوع كما كانت. صارت الحياة سباقًا إلى الصراخ، والعلاقات معارك للغلبة، والبيوت قنابل تنتظر شرارة.
لقد غابت الإنسانيات كما يغيب النهار في جوف ليلٍ طويل. صارت الأخلاق ذكرى، والحياء طيفًا عابرًا لا يُرى إلا في أحلام الطيبين. ما الذي جرى لنا؟ أهي ضغوط العيش التي سرقت منّا ضوء القلب؟ أم هو البعد عن الله الذي جعلنا نُخاصم ذواتنا قبل أن نخاصم غيرنا؟
العنف المجتمعي لم يأتِ من فراغ، بل من غياب التربية التي كانت تُعلّمنا أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن المرأة وديعة الله في الأرض، وأنّ البيت لا يُبنى بالجبروت بل بالرفق. حين ماتت القدوة في البيوت، واعتلت الشاشات أصواتٌ تُروّج للفظاظة والوقاحة باسم الجرأة، تاهت القلوب عن فطرتها، فصار الناس يخجلون من الطيبة ولا يخافون من القسوة.
يا حسرتي على زمنٍ كان الجار يربّت على جراح جاره، وكان الرجل يستحي أن تدمع زوجته أمامه، وكان الأطفال يتعلمون الحنان من نظرة أمهم قبل كلماتها. أما اليوم، فالدم على الأرصفة، والصوت العالي هو القانون، والرحمة تُذبح كل صباحٍ على أعتاب الغضب.
الجريمة لم تَكسر فقط قداسة الأسرة، بل كسرت إنسانيتنا جميعًا. قتلت الأمان في عيون النساء، والاحترام في عيون الأبناء، والحياء في وجه المجتمع. حين يعتاد الإنسان رؤية القتل، يفقد شيئًا من روحه دون أن يدري، وحين نصمت أمام العنف، نُصبح شركاء في الجريمة وإن لم نحمل سكينًا.
يا كل من يظن أن الرجولة صراخٌ أو بطش، اعلم أن الرجولة صبرٌ وسترٌ وحنان. القوة ليست في اليد التي تُؤذي، بل في القلب الذي يَرحم. وحين تعود الرحمة إلى القلوب، سيعود الضوء إلى البيوت، وتزهر الأرواح من جديد. أما إن ظلّت القسوة هي اللغة، فانتظروا زمنًا لا يُصلّي فيه أحد على أحد، لأن الرحمة حين تُدفن… يُدفن معها الإنسان.














