التسامح السياسي، في مدونة إدارة الدول، ليس مجرد فضيلة أخلاقية تزيّن الخطاب، إنما هو فن الإدارة العليا، استراتيجية محكمة لاحتضان طيف التباينات الفكرية وتوجيه سيول الطاقة النقدية الجارفة نحو مصبات وطنية بناءة. في المراحل المفصلية من تاريخ الأمم، خاصة بعد عواصف الاضطراب التي اجتاحت الكيانات الإقليمية في أعقاب عام 2013، وجدت مصر نفسها أمام حتمية الموازنة الدقيقة بين ضرورة التحصين الأمني واقتضاء المرونة السياسية. لقد فرضت ضرورات تثبيت أركان الدولة وتوحيد الجبهة الداخلية، التي عانت من فرط الاستقطاب الذي خلفته مرحلة ما بعد الإخوان، سياجاً احترازياً على تخوم المشهد العام. وفي غمرة هذا التأسيس، أُبعدت قسراً أو اختياراً قامات من “القوى الناعمة”، ممن يمتلكون مفاتيح التأثير في الوجدان الجمعي. شخصيات كالطبيب الساخر باسم يوسف، الذي كان سوطه اللاذع يجوب أثير السياسة، والفنان حمزة نمرة، الذي كانت أوتاره تلامس شغاف القضايا الاجتماعية والسياسية، وجدوا أنفسهم خارج دائرة الضوء المحلي. كانت تلك لحظة تاريخية تُقرأ أحياناً كتحفظ على آراء قاربت خطوط الأمن القومي، وأحياناً كإجراء ضروري لتوحيد الرواية الرسمية في وجه التحديات الوجودية.
لكن الحكمة السياسية تُدرك أن القوة الناعمة المُبعَدة هي في حقيقتها مصدر لاستقطاب مضاد، تتحول من منصة للنقد الداخلي إلى بؤرة نقد خارجي، مغذية بذلك الصورة السلبية ومُهدرة طاقات خلاقة كان يمكن أن تثري الحوار الوطني. هنا يتجلى ذكاء الإدارة الحالية، التي انتقلت ببراعة من مرحلة التوجس إلى مرحلة “الاحتواء الواثق”. هذا الاحتضان لا يعني التراجع عن الثوابت، وإنما هو إقرار بأهمية هذه الرموز وقدرتها على مخاطبة قطاعات شعبية عريضة. إن عملية استقطاب هذه الأصوات، سواء عبر فسح المجال لعودتهم الفنية والإعلامية أو دعوتهم للمشاركة في فعاليات وطنية، هو دليل راسخ على ثقة الدولة في صلابة بنيانها السياسي والأمني. إنها مناورة إدارية تهدف إلى إعادة توطين الخطاب النقدي ليصبح جزءاً أصيلاً من حوار الداخل، بدلاً من أن يكون سهماً موجهاً من الخارج.
غير أن قراءة هذا المشهد بعين نقدية متفحصة تقتضي تجاوز الإبهار الأولي بجمالية الحركة الإدارية، والتوقف عند حدود هذا التسامح الممنوح. فعملية الاحتواء هذه، ورغم إيجابيتها الظاهرة في فك أسر بعض الطاقات، تظل محاطة بهالة من التقييد المُقنَّع تُلقي بظلال من الشك على المآلات البعيدة. السؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه هنا: هل يمثل هذا الاستقطاب عودة للروح النقدية في كامل حدتها، أم أنه عودة “مُهذّبة” قُيّدت بأغلال المصلحة والضرورة؟ غالباً ما تكون ضريبة العودة إلى فضاء الضوء هي التخلي الجزئي عن لهجة المواجهة أو تبني لغة الترميز والإيماء بدلاً من لغة البوح المباشر الذي كان سمة المرحلة السابقة. إنما التحدي يكمن في الحفاظ على جوهر “القوة الناعمة” كأداة للمساءلة والمراجعة، بدلاً من تحويلها إلى مجرد أداة ترفيهية أو صدى خافت للرواية السائدة، مما قد يفرغ فعل النقد من محتواه القاسي. هذه الأبعاد النقدية تدفعنا إلى التأمل في الفراغ الروحي والفكري الذي خلفه الاستبعاد الطويل؛ فراغ قد لا تملؤه العودة الجزئية، خاصة وأن السنوات التي قضاها هؤلاء الرموز في المهجر أو العزلة قد شحنت جمهورهم بجرعات عالية من السخط المتراكم، مما يجعل مهمة العودة إلى المشهد الداخلي، والتأقلم مع قواعده الجديدة، محفوفة بالشكوك حول مدى استقلالية القرار وحرية التعبير.
هنا يبرز البُعد المتعلق بشرعية النقد وصدقيته في أعين المتلقي. فإذا كان الاستقطاب يهدف إلى نزع فتيل المعارضة الخارجية، وإنما يجب التنبه إلى أن الجمهور، لا سيما الشباب الذي شكل قاعدة عريضة لدعم هذه الأصوات المهاجرة، ينظر إلى هذه التحولات بقدر من الحذر الممزوج بالتساؤل. هل يرى المتلقي في هذه الخطوة انفتاحاً حقيقياً يفتح الباب لغيرهم، أم مجرد تكتيك لسحب البساط من تحت أقدام الخطاب المضاد في المنصات الدولية؟ إن الإدارة بذلك لا تدير فقط عودة الأفراد، وإنما تدير عملية معقدة لإعادة بناء جسور الثقة مع شريحة واسعة شككت لفترة طويلة في هامش الحرية المتاح. النجاح الحقيقي لهذه الاستراتيجية لا يُقاس بحجم الأضواء المسلطة على العائدين، وإنما بمدى قدرة المشهد الثقافي والإعلامي على توليد أصوات نقدية جديدة، أصوات تنبع من رحم الداخل، دون الحاجة لـ “بطاقة مرور” سياسية مسبقة. هذا التوجه، الذي يتعامل مع القوى المعارضة المؤثرة كـ “أصول” يجب استثمارها لا كـ “خصوم” يجب إقصاؤهم، يمثل قفزة نوعية نحو نضج سياسي يُعزز من مرونة الجسد الوطني وقدرته على استيعاب التباينات الفكرية في بوتقة واحدة. عندها فقط، يمكن القول إن الرؤية الإدارية قد حققت هدفها الأسمى: تحويل الاختلاف إلى مصدر قوة، وإنما يصبح ثقافة راسخة وجزءاً أصيلاً من التكوين المؤسسي للدولة.
باسم يوسف يكشف كواليس لقائه مع بيرس مورجان في “المغرد”














