بقلم : اللواء د. رضا فرحات
(نائب رئيس حزب المؤتمرـ أستاذ العلوم السياسية)
منذ فجر التاريخ، كانت مصر نقطة الضوء التي تهدي الإنسانية طريقها نحو الحضارة، وكانت هدية للبشرية لإظهار الطريق نحو الحضارة ، كتبت علي جدران الزمن فصولا عظيمة من التاريخ التي ستظل تضيء دائما إلي نهاية الزمن، واليوم نحن علي أعتاب افتتاح المتحف المصري الكببر نجد أنفسنا أمام محطة جديدة في مسيرة العظمة المصرية، التي لا تعرف التوقف في الجمهورية الجديدة، ووضعت علامة بارزة أخرى و التي تؤكد أن مصر تعمل على إعادة تعريف وتجديد الهوية الوطنية” و”القوة الحضارية” بمفهومها العصري.
إن إنشاء المتحف المصري الكبير لا يهدف فقط إلى أن يكون صرح أثري أو إضافة معلم سياحي فقط، لكنه أيضا إنجاز وطني عام يواكب ما تسعى إليه “الجمهورية الجديدة” ورسالة من الجمهورية الجديدة لنقل التراث من كونه أثر من الماضي إلى كونه مكون من مكونات الاستراتيجية للمستقبل و ركيزة من ركائز القوة الناعمة التي تعزز حضور الدولة المصرية على الساحة العالمية.
فكرة المتحف كانت دربا من الخيال في تفكير الكثيرين منذ سنوات قبل أن تتحول إلى واقع في عصر الرئيس عبد الفتاح السيسي وأصبح مشروع حضاري متكامل، يجمع بين الإبداع المعماري، والتكنولوجيا الحديثة، والرؤية الثقافية المتقدمة، إذ شيد المتحف بتصميم معمارى جريء ومواكبة للتكنولوجيا الحديثة ورؤية ثقافية تؤمن بأن التراث ليس بقايا من الماضي، بل رصيد استراتيجي للمستقبل
المتحف المصري الكببر يقع على مقربة من أهرامات الجيزة، ليكون امتدادا طبيعيا لتاريخها، و ينسج خيطا بصريا وزمنيا بين الماضي العريق والحاضر المتجدد وهو بذلك يعيد تقديم الحضارة المصرية للعالم في قالب حديث، يبرز تفاصيلها الإنسانية والعلمية والفنية بمنهج سردي متكامل علي مساحة نحو 500 ألف متر مربع، منها أكثر من مائة ألف متر مخصصة للعرض المتحفي، و أكثر من 100 ألف قطعة أثرية من مختلف العصور المصرية، في عرض غير مسبوق من حيث الحجم والتقنية والتنظيم، كما أنه سيكون موطنا لأول مرة للعرض الكامل لمقتنيات الملك توت عنخ آمون، التي تعرض مجتمعة لأول مرة منذ اكتشافها، داخل قاعات مجهزة بأحدث نظم الإضاءة والحفاظ البيئي والمعالجة الرقمية.
افتتاح المتحف المصري الكبير يأتي في توقيت بالغ الأهمية، مجسدا جوهر رؤية الدولة المصرية الحديثة التي تتبنى فلسفة البناء المتكامل — بناء الإنسان والمكان والوعي، بينما تستمر الدولة في إقامة المدن الجديدة وشبكات الطرق والمشروعات العملاقة، يأتي المتحف كرمز للجانب الروحي والثقافي من عملية التنمية، التي تربط بين أصالة الماضي وإنجازات الحاضر.
إن الجمهورية الجديدة التي يقودها الرئيس السيسي تنظر إلى الثقافة باعتبارها محركا للوعي الجمعي، وأداة لترسيخ الانتماء الوطني وتعزيز الهوية المصرية، ومن هنا، فإن المتحف المصري الكبير ليس مجرد استثمار في السياحة، بل هو استثمار في الوعي ذاته، وفي قدرة مصر على تصدير ثقافتها وقيمها الحضارية إلى العالم، في عالم اليوم، لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيوش أو الثروات، بل بقدرة الدولة على صياغة صورتها الذهنية وتقديم نفسها للعالم كقيمة إنسانية وحضارية، ومن هذا المنطلق، يمثل المتحف المصري الكبير أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية في القرن الحادي والعشرين، إذ يعيد تقديم قصة الحضارة المصرية بطريقة علمية معاصرة تجذب السائح والباحث و المهتم بالتراث الإنساني في آن واحد.
كما أن المتحف سيكون منصة دبلوماسية ثقافية بامتياز، تعزز من حضور مصر على الخريطة الدولية، وتشجع على حوار الحضارات وتبادل الخبرات الثقافية والعلمية بين الأمم وهو ما يتكامل مع الدور المصري في تعزيز السلام والاستقرار بالمنطقة والعالم، ويجعل من الثقافة جسرا للتقارب لا أداة للخلاف، ومن الناحية الاقتصادية، فإن المتحف يمثل نقطة انطلاق جديدة في مسيرة السياحة الثقافية المصرية إذ تشير التقديرات إلى أنه سيجذب ملايين الزوار سنويا، ليكون مركز جذب سياحي عالمي إلى جانب الأهرامات والمتحف القومي للحضارة المصرية، كما سيسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي بمنطقة الجيزة الكبرى، ويدعم الأنشطة الفندقية والتجارية والخدمية، ما يعزز مفهوم التنمية المستدامة التي تقوم على الربط بين التراث والاقتصاد.
وقد نجحت الدولة المصرية في تحويل المشروع إلى نموذج إداري فريد في الشراكة بين المؤسسات الوطنية والقطاع الخاص وخبراء الآثار من مختلف دول العالم، ما يعكس قدرة مصر على إدارة المشروعات العملاقة بمعايير دولية، دون التفريط في خصوصيتها الثقافية أو سيادتها التاريخية على تراثها.
سيظل المتحف المصري الكبير هدية مصر إلى العالم، ونقطة التقاء بين التاريخ والحداثة، وبين الإنسان المصري القديم الذي شيد الأهرامات، والمصري المعاصر الذي بنى هذا الصرح بنفس الروح والإرادة، فهو ليس مجرد متحف يعرض الماضي، بل منصة تلهم الحاضر وتفتح أبواب المستقبل، وتؤكد أن مصر — برغم كل التحديات — قادرة دائما على أن تبدع و تدهش وتعلم الإنسانية دروسا في الخلود والبقاء، وتمثل الرسالة السياسية والثقافية للمتحف المصري الكبير ذروة القوة الناعمة للدولة المصرية في عهد الجمهورية الجديدة، فهو ليس مجرد معلم سياحي عالمي، بل منصة لإعادة صياغة صورة مصر الحديثة أمام العالم بوصفها دولة تجمع بين العمق التاريخي والرؤية المستقبلية وبين جدرانه تتجسد فلسفة الدولة التي تؤمن بأن الثقافة ليست ترفا، بل أداة للتأثير الدولي وبناء الجسور الحضارية ومن خلال هذا الصرح العملاق، ترسل مصر رسالة سلام وإنسانية إلى الشعوب كافة، مفادها أن منبع الحضارة لا يزال حيا، وأن القوة الحقيقية لمصر تكمن في قدرتها على تحويل تاريخها إلى لغة عالمية للحوار والتفاهم، تعزز مكانتها كقلب نابض للثقافة في الشرق الأوسط والعالم.
وفي النهاية، افتتاح المتحف المصري الكبير بمثابة إعلان جديد بأن الجمهورية الجديدة هي امتداد حضاري لأكثر من خمسة آلاف عام من الإبداع المصري، وأن مصر، التي علمت العالم معنى الحضارة، ما زالت اليوم تقدم للعالم نموذجا في كيف يمكن أن تتحول الثقافة إلى طاقة بناء، والتاريخ إلى مشروع وطني، والماضي إلى وقود للمستقبل.














