ناقش منتدى القاهرة الدولى قضية تراجع موارد مؤسسات التمويل الدولية وتأثير ذلك على الدول الفقيرة والمتوسطة، تحت عنوان “انكماش موارد مؤسسات التمويل الإنمائية والتهديد الذي يواجه تنفيذ أهداف التنمية المستدامة خاصة في أفريقيا”، وذلك بمشاركة الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية.
أكد المشاركون فى الجلسة أن القارة الإفريقية تواجه فجوة تمويلية ضخمة تُقدّر بما بين 670 و760 مليار دولار سنويًا، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، واتفق المشاركون في الجلسة على أن مستقبل التمويل التنموي بات مرهونًا بقدرة الدول على تحسين بيئة الأعمال وبناء مشروعات قابلة للتمويل، و ضمان تكافؤ الفرص بين الحكومة والقطاع الخاص والاستثمار في البشر لجذب روؤس الأموال الخارجية، مؤكدين أن التحول من المساعدات إلى الشراكات الاستثمارية المستدامة هو السبيل الأمثل لتحقيق التنمية الشاملة في إفريقيا.
من ناحيتها أكدت الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، أن العالم يواجه اليوم واقعًا جديدًا ينعكس على مختلف الدول من مختلف الجوانب خاصة الاقتصادية، لا سيما من الدول التي تسهم في رأس المال وتحدد أولويات المؤسسات متعددة الأطراف ومؤسسات التمويل التنموي. ويتجلى ذلك في تراجع التمويلات التنموية للدول النامية ومتوسطة الدخل.
وذكرت أنه مع ارتفاع تكلفة الاقتراض نتيجة الصدمات العالمية المتلاحقة، أصبح توجيه الموارد نحو تعزيز استثمارات القطاع الخاص أولوية أساسية، ولذلك تأتي أهمية الشراكات بين مؤسسات التمويل التنموي، والحكومات، والقطاع الخاص لحشد المزيد من الموارد، ومواءمة الأولويات الوطنية مع الأهداف العالمية.
ونوهت بأن أن التحدي الحقيقي ليس التمويل، ولكن من الضروري توظيف الخبرات الفنية لبنوك التنمية متعددة الأطراف لدعم الدول النامية لرفع قدراتها في مجال تصميم والمشروعات وإعدادها بما يحفز رؤوس الأموال الخاصة على الدخول في تلك المشروعات.
اكدت على العديد من النقاط في كلمتها من بينها، ضرورة قيام مؤسسات التمويل الدولية بإعطاء الأولوية للاستثمارات التحفيزية، بالإضافة إلى دمج التكيف المناخي والقدرة على الصمود في جميع المحافظ الاستثمارية للمؤسسات الدولية، مشددة على ضرورة زيادة الاستثمار في رأس المال البشري، وأن تتوافق استثمارات مؤسسات التمويل مع أولويات الدول في التعليم والصحة والتدريب، وربط التمويلات بمخرجات ونتائج محددة.
حول تجربة الإصلاح الاقتصادي في مصر، قالت أنه من خلال «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية»، تستهدف الدولة التحول إلى نموذج اقتصادي جديد يركز على القطاعات الإنتاجية والتصديرية، يقوده القطاع الخاص، وفي هذا السياق من المستهدف زيادة نصيب استثمارات القطاع الخاص إلى 66% من إجمالي الاستثمارات بحلول 2030، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 82%، موضحة أن حوكمة الاستثمارات العامة تستهدف إعادة توجيه رأس المال مع إتاحة حيز مالي للإنفاق على الصحة والتعليم، وتحفيز القطاع الخاص.
وقال طارق توفيق عضو مجلس إدارة المركز، أن العالم يعيش مرحلة غير مسبوقة من عدم اليقين، تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية والبيئية، مما يفرض تساؤلات عميقة حول دور مؤسسات تمويل التنمية ومستقبل التعاون الدولي، مشيرا إلى أن هناك مفهومًا جديدًا بدأ يتشكل على الساحة الدولية يمكن وصفه بـ “دبلوماسية قوارب النجاة”، حيث يبدو أن العالم أصبح ضيقًا إلى درجة أن بعض الدول أو الفئات قد تُترك خلف الركب ليتمكن الآخرون من الازدهار.
وأشار توفيق إلى أن التحدي اليوم لا يقتصر فقط على نقص التمويل، بل يمتد إلى تسييس قرارات مؤسسات التنمية وتراجع الحياد في توزيع الموارد، متسائلًا: “كيف يمكن للدول النامية أن تقلل من اعتمادها على المساعدات وأن تعزز من استقلاليتها المالية؟”
من جانبها قالت إيلينا بانوفا، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في مصر، إن التوقعات العالمية تشير إلى أن التمويل الإنمائي الرسمي مرشح للتراجع بنسب تتراوح بين 9% و17% خلال عام 2025، بعد انخفاضه 9% العام الماضي، وكما أن الآفاق للعام المقبل وما بعده غير واضحة، نحن نري ذلك على نطاق واسع ليس فقط من الوكالة الأمريكية للتنمية ولكن كثير من الوكالات التنموية على مستوي العالم خفضت مساعداتها وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على برامج التنمية في إفريقيا، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة في مصر خسرت نحو 87 مليون دولار من تمويلها خلال العام الجاري، ما انعكس على البرامج الموجهة للفئات الأكثر هشاشة، خاصة النساء والفتيات واللاجئين.
وتوقعت أن ترتفع الفجوة التمويلية الائنمائية على أساس سنوي تبلغ حوالي 670، 760 مليار دولار سنويًا.
وتابعت: “يشهد عدد كبير من السكان، بمن فيهم اللاجئون، موجة حادة من انعدام الأمن الغذائي ونقص سبل العيش، حيث فقد ملايين الأشخاص الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، وفي ظل هذه الظروف، تظل الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في مقدمة الجهود الدولية لدعم الفئات الأكثر ضعفًا،من خلال التمويل الإنمائي الدولي، لا سيما من الولايات المتحدة، حيث تحصل مفوضية شؤون اللاجئين على 37% من ميزانيتها من الولايات المتحدة، ما يعكس تأثيرًا كبيرًا على قدرتها على الاستجابة.
من جانبه، شدد ستيفان جيمبرت المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على أهمية تمكين القطاع الخاص ليكون شريكًا رئيسيًا في سد فجوة التمويل التنموي، موضحًا أن نحو 450 مليون شخص في إفريقيا يعيشون تحت خط الفقر، وقرابة 300 مليون لا يحصلون على الكهرباء، بينما تتراجع قدرة الحكومات على الإنفاق.
وأشار إلى أن الحل يكمن في إزالة العقبات أمام الاستثمار وتقليص هيمنة الشركات الحكومية، مؤكدًا أن مؤسسات التمويل يمكنها تعظيم أثر أموالها عبر جذب استثمارات إضافية، بحيث يُقابل كل دولار من مواردها خمسة دولارات من رأس المال الخاص.
بدوره، أوضح مارك ديفيز، المدير الإداري لمنطقة جنوب وشرق المتوسط بالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، أن الإصلاح المؤسسي وتحسين الحوكمة يمثلان المدخل الأساسي لجذب التمويل، مشيرًا إلى أن الأسواق الناشئة تعاني من آثار تقلبات السياسة النقدية العالمية، وأن ضبط السياسات المالية وإعداد مشروعات جاهزة للتمويل يمثلان أولوية قصوى.
أضاف ديفيز أن استغلال الموارد فقط يولّد إيرادات أولية، لكنه لا يضمن النمو المستدام، إذ يجب على الدول التقدم تدريجيًا في سلسلة القيمة لتحقيق أثر اقتصادي أكبر.
وفيما يخص التمويل والاستثمار، أشار ديفيز إلى أن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD) قام منذ 2013 بضخ نحو 10 مليارات دولار في مصر وحدها، منها 7.5 مليار دولار من أموال البنك مباشرة، إلى جانب تعبئة 2.5 مليار دولار إضافية عبر ترتيبات استثمارية، موضحًا أن هذه المبالغ تمثل “قطرة في بحر” مقارنة بالحاجة الفعلية، وأن التحدي يكمن في توفير مشاريع جاهزة وجاذبة للقطاع الخاص بنسبة 75% من الاستثمار المطلوب”.
نوه إلى ان البنك الأوروبي يعمل حاليًا مع الحكومة المصرية على برنامج لإعداد مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) بتمويل مشترك من البنك والحكومة، مؤكدا أن تصور المستثمرين للعائد مقابل المخاطر يمثل العامل الحاسم، وأن تقييم مؤسسات التمويل التنموي لمشاريع معينة يرسل إشارة إيجابية للأسواق الدولية والمحلية، ويحفز الاستثمار في الاقتصادات الناشئة.














