
صدر كتابان جديدان عن تجربة الكاتب الكبير السيد حافظ، الروائي والمسرحي (مواليد 1948 في الإسكندرية)، رائد المسرح التجريبي منذ السبعينيات.
الكتاب الأول: “مداخل أولية إلى عوالم السيد حافظ السردية” للدكتورة أمل درويش، الشاعرة والناقدة، الذي يمتد عبر 101 صفحة من القراءات النقدية المتشابكة، ليس مدخلاً سطحيًا كما يوحي العنوان، بل رحلة معمقة إلى عوالم سردية تُفكك الثوابت الاجتماعية والفلسفية، مستلهمة من “دهشة التكوين” و”عذابات الإنسان، والثاني: بحث الدكتور محمود محمد حمزة “الرواية المسرحية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ: دراسة في نقاء الفنون وتداخل الأجناس الأدبية” (مجلة كلية اللغة العربية بإيتاى البارود، العدد 35، 2025)، الذي يُعيد اكتشاف “المسرواية” كنموذج هجين.
يبدأ كتاب أمل درويش بكلمة تمهيدية مؤثرة من الناقدة وفاء كمالو، التي تُصوّر إبداعات السيد حافظ كـ”وشم ناري على ذاكرة الروح والجسد”، تروي عن “دعارة الفكر” و”عذابات الإنسان”، وتمرد على “السائد والكائن” بوعي ثائر يُعلن العصيان على القهر والاستبداد. وأبرزت كمالو، السيد حافظ ككيان مبهر دفعته “عشوائية التناقضات” إلى هارمونية فنية تفتح آفاقًا مغايرة لفن المسرح، حيث كتب “ما أراد أن يقوله” ووصل صوته إلى الآخرين عبر وسيلة تُتيح له “حق الاختلاف والإبداع والمواجهة”.
وتعيدنا مقدمة درويش الشخصية، إلى السبعينيات – عصر هزيمة 1967، حيث كان “الجميع يعيشون على أمل النصر في الحرب وطرد الجيش الصهيوني من سيناء”، وكيف شكلت مرارة الهزيمة “الدمع في عيون القمر” وعذاب الخرس السياسي خلفية الوعي الجماعي.تربط درويش هذه الذكريات بـ”دهشة التكوين” في أعمال السيد حافظ، مستلهمة من نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت” لتُصوّره كـ”صاحب الوعي الناري والحس العبقري” الذي يُبعث “اللحظات الفارقة” ليغير المسارات، ويعانق “النجوم والأحلام” دون انحناء، شامخًا كالنخيل الذي “جذوره في جسور حبيبته وفروعها في هواها”. هذه الشعرية ليست زخرفة؛ إنها أداة تحليلية تُضفي على الكتاب طابعًا إبداعيًا، حيث يُصبح السرد عن حافظ بوحًا يُخترق الصمت ويُفجر الزيف، مُظهرًا كيف امتلك حافظ “قانونه الخاص وإطاره المتميز” ليُشتبك بحرارة مع السياسة والاقتصاد وقضايا الإنسان، كما في مسيرته الخمسينية التي شملت أكثر من 50 عملًا مسرحيًا وروائيًا.
وفي الكتاب الثاني يجري الدكتور محمود محمد حمزة مقارنة في بحثه، الذي يُعيد اكتشاف “المسرواية” كنموذج هجين بين المسرح والرواية، مقارنًا بين “بنك القلق” لتوفيق الحكيم (1931) و”كل واحد فيها خان” للسيد حافظ. يبدأ حمزة بتوتر “التداخل والنقاء”، مستشهدًا بأرسطو في “فن الشعر” وجاك رانشيير في “صارة الصد”، ليُعرّف المسرواية كـ”استراتيجية فنية تكشف سمات أسلوبية وفكرية”. عند الحكيم، يُحلل “بنك القلق” كمسرحية تُحافظ على “نقاء الفنون” من خلال حوارات حية تُصوّر القلق الرأسمالي كـ”صورة الصد”، حيث يُرمز البنك إلى الاستعمار الاقتصادي في عصر الاحتلال البريطاني، مُستلهمًا من الواقع المصري ليُبني “دائرة الإفادة” الفنية. أما السيد حافظ، فيُقارنه حمزة بـ”كل واحد فيها خان” كرواية تُدمج السرد المتشابك مع ديناميكية المسرحية لتُفجر “الزيف”، مُظهرًا الخيانة كدورة قهرية اجتماعية وسياسية في عصر الاستبداد الحديث ما بعد الاستقلال. هذه المقارنة تُبرز الإكمالية: الحكيم يُبني النقاء بالحوارات المكثفة، بينما يُوسّع حافظ التداخل إلى تمرد ثائر يُحوّل الأدب إلى أداة لـ”تغيير العالم”، مستندًا إلى مراجع مثل “الأدب والأخلاق” لأحمد أمين. يقول حمزة في الملخص: “الدراسة تكشف السمات الفنية لهذا الجنس الأدبي المتفرد، مُعيدة للأدب مصريته الأصيلة في زمن التلاشي الثقافي”















