ما بينَ الجُبِّ والعرش، تمتدّ مسافةٌ من الحُزن المبلّل بالصبر، والعظمةِ المولودة من رحمِ الابتلاء. قصةُ يوسف عليه السلام ليست حكاية نبيٍّ فحسب، بل هي مرآةٌ لكلّ قلبٍ مكسورٍ ظنّ أنّ الغياب نهاية، وأنّ الظلم قدرٌ لا يُردّ.
وُلد يوسف في بيت نبوّة، لكنّ الجمال لم يشفع له أمام غيرةٍ عمياء، ولا البراءةُ حمت وجهه من أيدي إخوته الذين غسلتهم الغيرةُ بماءِ الخيانة. ألقوه في الجبِّ كما يُلقى الحلم في غياهبِ الليل، وتركوه بين صدى الجدرانِ المبللةِ وعيونِ السماء. هناك، تفتّح الصبرُ في صدره كزهرةٍ لا تعرف الشكوى.
في ظلمة البئر، علّمنا يوسف أنّ النورَ لا يغيبُ عن قلبٍ آمن بالله، وأنّ الظلم، مهما اشتدَّ سوادُه، لا يُطفئ وعدَ السماء. كان الصبيُّ الجميلُ يسمعُ أنينَ قلبه، لكنّه لم يخاصم القدر، بل صادقَه، ومضى معه في طريقٍ محفوفٍ بالامتحان.
باعوه بثمنٍ بخسٍ كما تُباعُ الدموعُ في سوقِ الغافلين، ومضى إلى قصرٍ ظنّه الناسُ نعمةً، فإذا به اختبارٌ آخر في ثوبِ النعمة. هناك، رأى يوسف كيف تكونُ الفتنةُ أجملَ من النار، وكيف يُبتلى الطاهرُ بزينته، ويُختبر المؤمنُ بنقاءِ قلبه. وحين راودته امرأةُ العزيز، لم يكن يوسف نبيًّا هاربًا من جمالٍ زائل، بل كان قلبًا يعشقُ اللهَ أكثر من الدنيا، فاختار السجنَ على الخطيئة، واختار رضا الله على لذّةٍ زائلةٍ تُطفئ البصيرة.
في السجن، صارت الجدرانُ رُسُلًا تُعلّمه أنَّ الحرية ليست بابًا يُفتح، بل نورًا يسكن الصدر حين يُغلق كلّ بابٍ في وجهك إلا باب الله. هناك علّمنا أنَّ المنفى قد يكون وطنًا، إذا كان اللهُ معك.
وحين جاء الفرج، جاء كطلعةِ الصبح بعد ليلٍ طويل. خرج يوسفُ من السجن لا كما دخل، بل خرج ناضجًا كقلبٍ غسله الألم حتى أضاء. صار وزيرًا، ثمّ ملكًا، لا لأنّ الدنيا أرادت أن تُكافئه، بل لأنّ الله رفعه على أعين من ظلموه، ليُدركوا أنَّ الكيدَ مهما اشتدَّ ضعيفٌ أمام تدبيرِ السماء.
وها هو يوسف، الذي بكى في الجبّ، يبتسم على العرش، لا شماتةً ولا انتقامًا، بل لأنَّ من عرف اللهَ لا يعرف الحقد. جمع اللهُ شملهُ بإخوته، فعانقهم بدموعٍ أغلى من التي أسالها ظلمُهم. قالها كلمةَ أنبياءٍ خالدة:
> “لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.”
يا لِسُمُوّ هذا القلب! علّمنا يوسف أنّ الغفرانَ أعظمُ من النصر، وأنّ الطهارة لا تُشترى بالجمال، بل تُروى بالبلاء.
العبرة من قصة يوسف أنّ كلَّ جبٍّ تمرّين به هو عتبةُ عرشٍ إن صبرتِ، وأنَّ القلوب التي تُكسرُ لأجل الله تُجبرُ على يده وحده.
علّمنا أنَّ الجمالَ بلا صبرٍ غفلة، وأنَّ الصبرَ بلا إيمانٍ وجعٌ لا يُثمر، وأنَّ من سلّم وجهه للسماء، ردّت له الأرضُ هيبتها.
يوسف ليس نبيًّا عبر التاريخ فقط، بل قصةُ كلّ إنسانٍ خانَه الأقربون، ونقذَه الله من حيث لا يحتسب.
هو عنوانُ الرجاء حين تظلمُ الدروب، ومعنى اليقين حين يسخر الناس من أحلامك.
فيا من أُلقيتَ في جُبّ الحزن، لا تيأس؛ قد يكون اللهُ يُعدّ لك عرشًا لا يراه سواك.
ويا من ظنّ أنَّ الحياةَ لا تُنصف، تذكّر أنَّ يوسفَ خرج من الظلمة، لا بفضل أحد، بل لأنَّ الله قال له: كنْ.
وهكذا تبقى القصة درسًا خالدًا:
أنَّ كلّ نهايةٍ ظالمةٍ تُخفي بدايةً عادلة، وأنَّ الله لا ينسى عبدًا ناجى في ظلمة الجُبّ قائلًا: يا ربّ، إنّي مظلومٌ فانتصر.














